انا هنا … لكنني لست هنا

يمنات
عدنان الدوسري*
كانت الساعة تقترب من الثالثة فجرا، حين شعرت ان المدينة كلها نامت وتركتني وحدي مستيقظا.كان الخريف قد بسط يده على الشوارع. اوراق صفراء تتساقط ببطء من الاشجار، تدور مع الريح ثم تستقرعلى الارصفة، كأنها رسائل صغيرة فقدت عناوينها.جلست على حافة السرير، احدق في النافذة.لم تكن تطل على شيء.جدار اسمنتي رمادي، قريب الى الحد الذي يجعلني اشعر انني اسكن داخل صندوق مغلق.وفي الزاوية العليا منه، كان هناك عش حمامة مهجور.
بعض العيدان اليابسة متشابكة فوق بعضها، وبقايا ريش عالق بينها.كنت انظر اليه كثيرا.ربما لانني كنت اشبهه.
كان هنا شيء ذات يوم.ثم رحل.وبقي العش.وبقيت انا.
في تلك الغرفة الضيقة، كنت اشعر احيانا ان الجدران تضيق كلما تنفست.وضعت يدي على صدري.لم يكن يؤلمني شيء.لكنني كنت اشعر بثقل لا اعرف له اسما.
فتحت هاتفي.كان اسم امي ما يزال في اعلى قائمة المكالمات.نظرت اليه طويلا.لم اتصل.كنت اخاف صوتها.
ليس لانني لا اشتاق اليها.بل لانني اشتاق اليها اكثر مما ينبغي.كنت اخاف ان تقول لي:
ـ متى تعود يا ولدي؟
ولم اكن املك جوابا.ماذا كنت سأقول لها؟انني منذ سنوات امشي ولا اصل؟انني كلما ظننت انني اقتربت من العودة، اكتشفت ان المسافة بيني وبين البيت صارت اطول؟انني اعيش في مدينة لا تكرهني، لكنها لا تعرفني ايضا؟ انني صرت غريبا حتى عن اسمي؟ ام اقول لها الحقيقة؟ انني لا استطيع العودة. ان الطريق الى البيت لم يعد طريقا بالنسبة لي، بل صار فخا. ان تهديدات القتل التي وصلتني لم تكن كلاما عابرا. ان هناك مليشيات تعرف اسمي، وتعرف من اكون، وتنتظر عودتي كما ينتظر الصياد فريسته. لا. لن اقول لها. كانت امي كبيرة في السن.وكان يكفيني ان اكون بعيدا عنها، ولا اريد ان اجعل الخوف يسكن قلبها ايضا.لذلك كنت اكذب عليها.كلما سألتني:
ـ متى تعود؟
اقول:
ـ قريبا.
وكلمة “قريبا” كانت اكثر كلمة اكرهها في حياتي.لانني لم اكن اعرف متى يكون القريب.وضعت الهاتف جانبا.
ثم اخرجت دفترا قديما من درج الطاولة.فتحته.كانت الصفحات الاولى تحمل بقايا قائمة مشتريات كتبتها منذ سنوات:خبز.سكر.شاي.زيت.قلبت الصفحات.كانت البقية بيضاء.بيضاء تماما.مثل سنوات كثيرة من عمري. امسكت القلم.
كتبت:
(امي، انا بخير)
توقفت.نظرت الى الجملة.شعرت بالخجل منها.شتمت نفسي بصمت.ثم شطبتها.
كتبت:
(امي، انا هنا.)
ضحكت.ضحكة قصيرة خرجت من مكان عميق في صدري.هنا؟ اين هو هنا؟ نظرت الى الجدار.الى السرير.
الى الطاولة.الى النافذة.الى العش المهجور.
ثم كتبت:
(امي…انا هنا، لكنني لست هنا.)
توقفت.شعرت انني كتبت الحقيقة الوحيدة التي لم استطع قولها لاحد.وضعت القلم.واسندت رأسي الى الحائط.ثم بكيت.لم ابك كما يبكي الاطفال.لم يكن بكاء له صوت.كانت دموعي تنزل بصمت، واحدة بعد اخرى، كأنني اخشى حتى على حزني من ان يسمعه احد.في الصباح، خرجت الى الشارع.كان الهواء باردا.رفعت ياقة قميصي، ومشيت ببطء.دخلت المقهى الصغير في نهاية الشارع.كنت اذهب اليه كل يوم تقريبا.لا لانني احب القهوة.بل لانني كنت اخاف الغرفة.في الغرفة كنت اسمع نفسي.وفي المقهى كان ضجيج الناس يمنحني فرصة مؤقتة كي انسى انني وحيد.كان صاحب المقهى، نجيب، رجلا في الخمسين، بوجه متعب يشبه مدينة قديمة مرت عليها سنوات كثيرة من الخراب.لم يكن يسألني عن حالي.كان يعرف.الناس الذين عاشوا كثيرا من الوجع لا يحتاجون الى السؤال.دخلت وجلست في زاويتي المعتادة.
قال دون ان يرفع رأسه:
ـ قهوتك؟
قلت:
ـ نعم.
بعد دقائق وضع الفنجان امامي.اخرجت محفظتي من جيبي.فتحتها.نظرت الى النقود لا تكفي لفنجان قهوة
ثم اعدتها الى جيبي.
قال نجيب:
ـ الحساب لاحقا.
رفعت عيني اليه.لم اقل شيئا.هز كتفيه كأنه لم يفعل شيئا.لكنني شعرت بشيء يؤلمني اكثر من الفقر نفسه.
ان يرى احد فقرك.شربت القهوة ببطء.لم اضع السكر.
لم يعد السكر شيئا ضروريا في حياتي.عندما عدت الى غرفتي، فتحت الثلاجة.لم اجد سوى نصف رغيف يابس.
قطعته الى نصفين.اكلت نصفه.ووضعت النصف الاخر لليل.جلست على حافة السرير.كان العالم يتغير بسرعة، والناس يتحدثون عن ازمات لا افهم تفاصيلها، وعن اسواق تهتز، وحدود تتغير، وبلدان تعيد حساباتها.
اما انا، فلم اكن املك ترف التفكير في كل ذلك.
كنت افكر في ثمن الخبز.في ايجار الغرفة.في اليوم التالي.في كيفية ان ابقى.حين يصبح الانسان فقيرا، تضيق الدنيا حتى تختصر في اشياء صغيرة جدا.
رغيف.فنجان قهوة.اجرة غرفة.ومكالمة من ام.في المساء،
رن هاتفي..اجبت.جاءني صوت امرأة:
ـ عدنان؟
قلت:
ـ نعم.
قالت:
ـ مابك ؟
سكت لحظة.
.سلمى.لم تكن معي في الغرفة.لم تكن تجلس امامي.لم تكن تنظر الى وجهي.كانت فقط امرأة في الطرف الآخر من الهاتف، تحاول ان تصل الى رجل بعيد بالكلمات.
قالت:
ـ صوتك متعب.
قلت:
ـ انا متعب.
ـ من ماذا؟
نظرت الى الغرفة.الى الرغيف اليابس فوق الطاولة.الى النقود القليلة في محفظتي.الى معطفي القديم المعلق خلف الباب.
قلت:
ـ من كل شيء.
سكتت.
ثم قالت:
ـ هل اكلت؟
ضحكت.
كانت ضحكة موجعة.
ـ نعم.
قالت:
ـ تكذب.
سألتها:
ـ كيف عرفت؟
قالت:
ـ صوتك.
صمتنا طويلا.
ثم قالت:
ـ هل ما زلت تفكر بالعودة؟
نظرت الى النافذة.الى العش الفارغ.
قلت:
ـ كل يوم.
ـ ولماذا لا تعود؟
اغمضت عيني.
قلت:
ـ لا استطيع.
ـ لماذا؟
ترددت.
ثم قلت:
ـ هناك اشياء لا استطيع ان اقولها.
قالت:
ـ تخاف؟
قلت:
ـ نعم.
ـ على نفسك؟
سكت.
ثم قلت:
ـ وعلى امي اكثر.
لم تسألني.
ربما فهمت ان وراء الصمت قصة لا اريد روايتها.
قالت:
ـ الغربة ليست ان تبتعد عن وطنك.
نظرت الى السقف.
قالت:
ـ الغربة ان تكون عاجزا عن العودة حتى عندما يكون قلبك هناك.شعرت بشيء ينكسر داخلي.
قلت:
ـ انا هنا… لكنني لست هنا.
قالت:
ـ اعرف.
قلت:
ـ كيف؟
قالت:
• لان صوتك لا يشبه صوت رجل يعيش حيث هو.
ثم صمتت قليلا…عدنان، هل انت بخير؟
نظرت الى يدي.كانت ترتجف.
قلت:
لا اعرف.
قالت:
ـ احيانا يكفي ان تقول الحقيقة لنفسك.
قلت:
ـ والحقيقة مؤلمة.
قالت:
ـلكنها ارحم من الكذب.
نظرت الى اسم امي في هاتفي.
قلت:
،ـ ليس كل كذب خيانة.
سألت:
ـ ماذا تقصد؟
قلت:
ـ احيانا نكذب حتى لا نموت نحن من الخوف، ولا يموت من نحب من القلق.
ساد الصمت.
ثم قالت:
ـ افهمك.
انتهت المكالمة.
بقي صوتها في الغرفة.وبقيت انا.في تلك الليلة فتحت دفتري.
كتبت:
(انا هنا في الجسد…انا ..هل انا بخير )
لكن روحي ما زالت هناك.انا هنا بين غرباء لا يعرفون اسمي، وهناك بين وجوه تحفظ ملامحي.انا هنا اعد النقود قبل ان اشتري الطعام.وهناك كانت امي تسألني فقط:
هل اكلت؟
انا هنا انام وحدي.وهناك كان صوت الطيور يملأ البيت.
انا هنا لا ينتظرني احد.وهناك كانت امي تترك الضوء مضاء حتى لو تأخرت.انا هنا اعيش.لكنني لا اشعر انني حي.توقفت.
ثم كتبت:
(يا امي…انت لا تعرفين لماذا لا اعود.وتظنين ان الغربة هي التي تمنعني.ليتك تعرفين انني كلما تخيلت نفسي واقفا امام باب البيت، رأيت خلف الباب بندقية.
ليتك تعرفين ان هناك من يريدني ميتا.لكنني لن اقول لك.لن اجعل اخر ما تبقى من عمرك خوفا علي.سأتركك تظنين ان ابنك بعيد بسبب الحياة.دعيني اكذب عليك قليلا…كي تنامي)
لم استطع الكتابة اكثر.وضعت القلم جانبا.ثم بدأت ابكي.
هذه المرة لم احاول منع دموعي.بكيت على امي.على ابي.على البيت.على الشجرة.على الطريق.على السنوات التي مرت ولم استطع استعادتها.بكيت على الفقر الذي جعلني اخفي رغيف الخبز كي يكفيني الى الليل.
بكيت على حقيبة التي لا استطيع ان املأها بالعودة.
وبكيت على رجل كنت اظنه سيعود يوما.ثم اكتشفت ان الرجل الذي غادر لم يعد موجودا.وضعت وجهي بين يدي.وبكيت كما لم ابك منذ موت ابي.
في الصباح، استيقظت قبل الفجر.لم يكن هناك شيء جديد.الغرفة نفسها.الجدار نفسه.العش نفسه.والمدينة نفسها.لكنني كنت اشعر انني اكبر بعام.
ارتديت ملابسي.وضعت الدفتر في حقيبتي.وقبل ان اخرج، فتحت هاتفيترددت طويلا.ثم اتصلت بامي.رن الهاتف.مرة.مرتين.ثلاثا.ثم جاء صوتها:
ـ عدنان؟
لم استطع الرد فورا.
قالت:
ـ يا ولدي؟
قلت:
ـنعم يا امي.
قالت:
ـصوتك حزين.
حاولت ان اضحك.
ـ لا شيء.
قالت:
ـ اعرفك.
سكت.
ثم قالت:
ـ هل اكلت؟
وضعت يدي على فمي.
كان السؤال بسيطا.لكنني شعرت انه هدم كل الجدران التي بنيتها حول نفسي.
قلت:
ـ نعم.
كنت اكذب.
قالت:
ـ الله يحفظك.
ثم صمتت قليلا.
وقالت:
ـ متى تعود؟
نظرت الى الباب.ثم الى حقيبتي.ثم الى النافذة.
قلت:
ـ قريبا.
قالت:
ـ دائما تقل قريبا .
لم استطع الكلام.
قالت:
ـ قل لي الحقيقة يا ولدي.
اغمضت عيني.كنت على وشك ان اقول كل شيء.
التهديدات.الخوف.المليشيات.الرعب من العودة.الفقر.
الوحدة.كل شيء.لكنني تخيلتها بعد المكالمة، جالسة وحدها، تفكر في ابنها، تخاف عليه، ولا تنام.
فقلت:
ـ الحقيقة يا امي انني اشتقت لك.
ساد الصمت.
ثم سمعتها تبكي.
قالت:
ـ وانا ايضا.
ثم قالت:
ـ تعال كما انت.
وضعت الهاتف على صدري.
بكيت.
قلت:
ـ سأعود.
كنت اعرف انني اكذب.لكنني تمنيت ان تصبح الكذبة يوما حقيقة.خرجت الى الشارع.كانت اوراق الخريف تغطي الرصيف.بعضها التصق بحذائي.مشيت دون ان اعرف الى اين.ثم وجدت نفسي امام المقهى.
دخلت.
نظر الي نجيب.
قال:
ـقهوتك؟
ابتسمت.
ـ نعم.
جلست في مكاني.
وضع الفنجان امامي.
قلت:
ـ نجيب…
ـنعم؟
ـ اذا تأخرت عليك بالحساب؟
قال:
ـ لا تهتم.
نظرت اليه.
قال:
ـ اشرب قهوتك.
سكت.
ثم قال:
ـ لكل انسان يوم ثقيل.
نظرت الى الفنجان.
قلت:
ـ ويبدو ان ايامي كلها ثقيلة.
ابتسم بحزن.
ـاذن اشربها يوما بيوم.
نظرت الى القهوة.كانت مرة.شربتها دون سكر.ولم اتظاهر هذه المرة انني بخير.عندما خرجت من المقهى، كانت الريح تحرك اوراق الخريف حول قدمي.وقفت للحظة.رفعت رأسي.لم تكن هناك شمس.ولا علامة تقول ان شيئا سيتغير.فقط سماء رمادية ومدينة مزدحمة، وانا في منتصفها، احمل حقيبة خفيفة وذاكرة ثقيلة.
قلت لنفسي:
،ـ انا هنا.
ثم سكت.
وبعد لحظة قلت:
ـ لكنني لست هنا.
مشيت.لم اكن اعرف الى اين.لم اكن املك ما يكفي من المال ليكون الغد مطمئنا.ولم اكن املك الشجاعة الكافية لأخبر امي لماذا لا اعود.كنت فقط املك هاتفا.ودفترا.واسما ما زال مهددا بالموت في مكان بعيد.واما في داخلي…فكان هناك بيت.بيت لا استطيع الوصول اليه.وام لا تعرف لماذا تأخر ابنها كل هذه السنوات.وفي كل مساء، حين يهبط الخريف على المدينة، اتخيلها جالسة قرب الباب، تنظر الى الطريق.تنتظرني.وربما تقول لجارتها:
(عدنان سيعود.)
وانا، في الطرف الآخر من العالم، اضع يدي على صدري، واغمض عيني، واقول:
نعم يا امي…
سأعود.ثم ابكي.
لانني اعرف انني اريد العودة اكثر من اي شيء في حياتي…لكنني لا اعرف هل الطريق الى البيت ما زال مفتوحا،ام انني منذ سنوات امشي في اتجاهه…
وهو يبتعد عني.
* كاتب وروائي من العراق