26 سبتمبر.. ثورة لا تنحني

يمنات
يحيى القحطاني
ماذا لو استيقظ شهداء 26 سبتمبر اليوم، ونظروا إلى اليمن الذي ضحّوا من أجله؟ ماذا سنقول لهم؟
هل نقول لهم إن الجمهورية التي حلموا بها أصبحت دولةً مكتملة الأركان؟ أم نقول إن أهداف الثورة ما تزال معلّقة بين جيلٍ حملها بالدم، وأجيالٍ تتصارع اليوم على ما تبقّى من وطن، بعد أن أصبح السلاح أقوى من القانون، والولاء أقوى من المواطنة، والسيادة قرارًا مؤجلًا؟
لقد قامت ثورة سبتمبر العظيمة وأسقطت نظام حكمٍ أبقى اليمن في عزلةٍ عن العالم، وحرم شعبه من أبسط مقومات الحياة؛ فلا تعليمٌ يواكب العصر، ولا صحةٌ تحفظ حياة الناس، ولا تنميةٌ تنهض بالبلاد، وإنما فقرٌ وجهلٌ ومرضٌ وحرمان. لا كهرباء، ولا مطارات، ولا طرقٌ معبّدة تربط المدن والمناطق، ولا خدماتٌ أساسية تلبّي احتياجات الناس. ونتيجة هذا الواقع القاسي انفجرت ثورة سبتمبر، حاملةً مشروع التغيير وبناء دولةٍ يكون الحكم فيها للشعب، والتعليم حقًا للجميع، والتنمية والخدمات حقًا لكل اليمنيين.
ولهذا جاءت أهداف الثورة الستة مشروعًا لبناء دولة يمنية جديدة: التحرر من الاستبداد والاستعمار، وإقامة حكم جمهوري عادل، وبناء جيش وطني، ورفع مستوى الشعب اقتصاديًا واجتماعيًا وثقافيًا، وإقامة مجتمع ديمقراطي عادل، وتحقيق الوحدة الوطنية، وصون استقلال اليمن وسيادته.
غير أن الثورة لم تكن نهاية الطريق، بل بداية معركةٍ طويلة دفاعًا عن الجمهورية. فما إن أشرقت شمسها حتى تحركت فلول الإمامة بدعمٍ مالي وعسكري من النظام السعودي، لتدخل اليمن في حربٍ امتدت ثمانية أعوام، سالت فيها دماء اليمنيين دفاعًا عن جمهوريتهم، حتى تحطّم رهان إسقاطها عام 1970م، وبقيت الجمهورية صامدةً، لتثبت أن سبتمبر لم تكن انقلابًا على الماضي فحسب، بل ميلادًا لوطنٍ لا تستطيع قوةٌ مهما عظمت أن تطفئ شعلته، أو تصادر حق شعبه في الحرية والجمهورية.
ولم تتوقف تدخلات النظام السعودي عند محاربة الثورة والجمهورية، بل امتدت إلى الوحدة اليمنية، وتآمرت عليها منذ تحقيقها عام 1990م؛ فموّلت وسلّحت وشجّعت، ووقفت إلى جانب دعاة الانفصال في حرب 1994م، في محاولةٍ لإجهاض الوحدة وإعادة اليمن إلى مربع الانقسام. ثم جاء عام 2015م ليبلغ التدخل السعودي ذروته، حين قادت السعودية تحالفًا عسكريًا واسعًا شنّ حربًا على اليمن، تحت عنوان إعادة الشرعية. وخلال سنوات الحرب، سقط آلاف المدنيين، ودُمّرت مدنٌ ومنشآت، واتسع نطاق النزوح والحصار، وتفاقمت أزمات الغذاء والصحة والخدمات، حتى غدت الأزمة الإنسانية في اليمن واحدةً من أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم.
ومنذ ذلك الحين، ظل اليمنيون يدفعون الثمن الأكبر لصراعات الداخل وتدخلات الخارج، وفي مقدمتها التدخل السعودي؛ فتبددت سنواتٌ من عمر الوطن بين الحرب والجوع والفقر والمرض، واستُنزفت مقدرات البلاد، وتراجعت مؤسسات الدولة وتآكلت قدرتها على أداء دورها. وما تشهده اليوم بعض محافظات الجمهورية من قتالٍ ودمارٍ ومعاناةٍ متواصلة، ليس سوى امتدادٍ لمسارٍ طويل أرهق اليمن واستنزف موارده وأضعف دولته، وأبعده عن حلم سبتمبر في بناء دولةٍ قوية، وقرارٍ وطني مستقل، وسيادةٍ لا تخضع لإرادة الخارج.
وبعد أربعة وستين عامًا، لا ينبغي أن تتحول ثورة 26سبتمبر إلى صورةٍ معلقة على الجدران، أو مناسبةٍ تتكرر فيها الخطب ثم تنتهي بانتهاء الاحتفال. فمعنى الثورة الحقيقي أن تتحول أهدافها إلى دولةٍ عادلة، وقانونٍ يسري على الجميع، ومواطنةٍ لا تميّز بين يمني وآخر، ومؤسساتٍ تحمي الحقوق، وتفتح أمام الأجيال طريق المستقبل.
وبعد أربعة وستين عامًا، يبقى السؤال الأكثر قسوة: هل انتصرنا لسبتمبر، أم اكتفينا بالاحتفال بانتصارها؟
لقد كانت سبتمبر صرخة شعبٍ أراد أن يخرج من العزلة إلى الحياة، ومن الخوف إلى الأمل، ومن الجمود إلى التغيير. ولذلك فإن الوفاء لشهدائها لا يكون بترديد الشعارات وحدها، وإنما ببناء وطنٍ تكون فيه الدولة فوق الأشخاص، والقانون فوق الجميع، والمواطنة فوق الانتماءات، وصندوق الاقتراع فوق فوهة البندقية، والسيادة فوق حسابات الخارج.
لقد مات شهداء سبتمبر من أجل أن يكون اليمن وطنًا لا غنيمة، ودولةً لا ساحة صراع، ومواطنًا حرًا عزيزًا، كامل الحقوق والكرامة، لا تابعًا لحاكمٍ أو قبيلةٍ أو جماعة.
سبتمبر ليست صفحةً في كتاب التاريخ، بل عهدٌ مفتوح في ضمير اليمنيين، واختبارٌ دائم لقدرتهم على حماية الجمهورية والدولة والمواطنة المتساوية والسيادة الكاملة.
26 سبتمبر.. ثورة لا تنحني، ما دام في عروق اليمنيين نبضٌ يأبى الاستبداد، وقلوبٌ تنبض بالحرية، وعزائمُ راسخةٌ تمضي نحو بناء دولةٍ عادلة، تُرسّخ المواطنة، وتحتكم إلى القانون، وتصون سيادة اليمن، وتحفظ لأبنائه كرامتهم وعزتهم.
والله من وراء القصد.