فضاء حر

مرآة الأنا في تجربة “والموت لا يكتب الخاتمات” لـ” سحر عبده “

يمنات

عبدالودود سيف

النص :

                                أنا

أنا لا أنشر شيئاً هنا، لا أكتب شيئاً مهماً أعرف ذلك، أنا لا أنتظر إعجاباً أو مدحاً.

أنا هنا أكتب نفسي، أرسم ما تبقى من ملامحي، أتحدث معي بكلماتي لأحتفظ بوعي فقط…

أترك هنا أي شيء يدل عليّ قبل أن أفقد عقلي تماماً، وأبدأ

بالبحث عن نفسي على شبكة النت..

______________________

لا يدق الفراغ النوافذ

لكنني

أفتح الباب لي..

ثم أسمع صوت الصدى فارغاً

داخلي..

_______________________

أنا الغراب الذي عرف مبكراً أنه لن يستطيع تقليد سير

الحمامة

فقطع قدميه…

_______________________

يحدث في لحظة ملل أن أشد حبل أفكاري ليصبح مستقيماً من أجل المتعة فقط…

أرش رذاذاً مثبتاً على شعرة معاوية

لأكسر الصمت بالحديث مع أحدهم…

فقط..

يحدث في لحظة ملل

أن أمحو المربع الصغير الذي يحيط بي

وأحاول رسم واحد أكبر…

لكن قطعة الطبشور تنتهي بين أصابعي

ويظل المربع مفتوحاً على اللانهاية.

___________________

أفكاري.. حرة كالهواء يمكنها تجاوز القضبان بسهولة.

كلماتي.. أحاول تقطيعها وتشكيلها لتتجاوز المسافة بين

هذه القضبان.

سلوكي.. يعرف أن باب القفص مفتوح طوال الوقت، لكنه

لا يحاول تجاوزه،

كي لا تنتبه كلماتي وأفكاري إلى ذلك فتفقد معناها.

____________________

كلما كبروا في السن، ابيض شعر رؤوسهم كبياض قلوبهم

التي تبدأ بتقبل الحياة وعقد صلح معها، لهذا تأخر الشيب

علي، شاب إخوتي الصغار وما زال شعري كله أسود.

______________________

تتشبث بي الأشباح البائسة في كوابيسي…

تطلب مني أن لا أستيقظ

لكي لا تنتهي حياتها …

وتصبح مجرد كدر في مزاج الصباح.

______________________

أشتهي سيجارة أجفف بها رائحة المطر.

____________________

ما كان علي أن أملأ صندوق بريده بالورود

يغلق نافذته، فتمتلئ صفحتي بالأوراق اليابسة…

____________________

فارق الوقت بين اشتعال انتظاري

ورد يمر على مهله

ثم يلقي على لهفتي نظرة

باختصار..

زمان يطول..

أمس الحروف التي لونتها شفاه سواي

وتنسى شفاهي

أمام الفراغ المسطر

ماذا أرادت بأشواقها أن تقول…

______________________

وجهي الذي مرت به كل قبلات السلام المتصنعة

ومساحيق التجميل منتهية الصلاحية…

والصفعات الكاذبة

والصفعات الحقيقية..

وجهي الذي مرت به قطرات الزيت الساخن في بداية تعلم

قلي البطاطس

وأقنعة الجمال الوهمية في بداية اكتشافي أنني امرأة….

وجهي الذي يؤدي كل يوم تمارين التبسم والقلق والدهشة

والحيرة واللامبالاة والحزن

ثم تظهر خطوط تجاعيده في تلك المسارات المعتادة كما

في وجه أمي..

الزمن رسام كلاسيكي ممل.

______________________

حين أهداني باقة ورد

ابتسمت وأنا ألمس الوردة الصفراء…

_______________________

الخطوات متشابهة

حين أسقط فقط أترك أثراً على الرمل.

_______________________

يسير باتجاهها دائماً…

يعد خطواته نحوها بدقة

وأنا أتعثر بطرف فستاني المستعار، في محاولات ساذجة

المواكبة خطواته…

الآن أعرف أنني كنت أقف في المكان الخاطئ لأداء الرقصة

ألاحق ظله…

الحبيبات يقفن في الأمام

ينتظرن بكامل أناقتهن…

الحبيبات لا يقتربن كثيراً

هكذا تقتضي قواعد الرقص.

_______________________

لا أنتمي إلى أحد، ولا إلى مكان، ولا إلى عائلة، ولا إلى فكر،

قطعت ساقي العالقة بين هذه الصخور، أعرف أنني سأقضي

عمري أتعثر بوحدتي، وأمسح نزيف احتياجي، لكنني أشعر

بالحرية، حرية حزينة، لكنها حرية.

_______________________

يمكنني إلقاء نفسي بشجاعة في بركة من الدخان

لإنقاذ سيجارة مختنقة من الانطفاء…

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

والموت لا يكتب الخاتمات: الأعمال الكاملة

ل” سحر عبده “

صادر عن مؤسسة البيسمنت. صنعاء ٢٠٢٠ م

 

قراءة النص

يبدأ النص من منطقة شديدة الخصوصية: من الأنا وهي تكتب نفسها خشية أن تفقدها. ليست الكتابة هنا وسيلة لإيصال رسالة إلى الآخرين، بل محاولة لتثبيت الوعي قبل أن يتداعى. ولهذا تبدو الجملة الأولى التي تكشف موقف المتكلم من الكتابة بمثابة مفتاح للنص كله: «أنا هنا أكتب نفسي، أرسم ما تبقى من ملامحي». �

والموت لا يكتب .

لكن المفارقة أن الذات، منذ لحظة محاولتها الإمساك بنفسها، تكتشف أن ما حولها فراغ. فالفراغ لا يقتحمها من الخارج؛ هي التي «تفتح الباب له»، ثم لا تجد في الداخل سوى الصدى. ومن هنا تبدأ الحركة الأساسية للنص: ذات تبحث عن شكلها في الأشياء التي تحيط بها، فلا تجد إلا انعكاسًا ناقصًا لها.

والموت لا يكتب .

الصورة الأكثر كثافة في هذا السياق هي صورة الغراب الذي أدرك أنه لن يستطيع تقليد الحمامة، فقطع قدميه. فالاختلاف هنا ليس فضيلة سهلة ولا بطولة؛ إنه معرفة مؤلمة بالاستحالة. لا يستطيع الغراب أن يصبح حمامة، لكنه بدل أن يقبل اختلافه يعاقب نفسه عليه. ومن هذه الصورة يمكن فهم جانب كبير من التوتر الذي يحكم النص: الرغبة في تجاوز الصورة المفروضة تقابلها رغبة أخرى في معاقبة الذات لأنها لم تستطع أن تكون تلك الصورة.

والموت لا يكتب .

ثم يتسع المعنى في صورة المربع والقفص. تحاول الذات محو المربع الصغير ورسم آخر أكبر، لكن قطعة الطباشير تنتهي، ويبقى المربع مفتوحًا على اللانهاية. وبعدها تأتي المفارقة الأكثر وضوحًا: الأفكار حرة، والكلمات تحاول عبور القضبان، لكن السلوك يعرف أن باب القفص مفتوح ولا يحاول تجاوزه. 

والموت لا يكتب .

والموت لا يكتب .

هنا ينتقل النص من الاعتراف إلى بناء مفهوم خاص للحرية. القيد ليس ماديًا بالضرورة؛ قد يكون في السلوك، أو العادة، أو الخوف، أو العلاقة بالآخر. والأكثر إثارة أن الباب مفتوح أصلًا. ولذلك فإن السجن الحقيقي ليس القضبان، وإنما العجز عن اتخاذ الخطوة التي تجعل الحرية فعلًا.

وفي مقطع الشيب يظهر الزمن بوصفه تجربة نفسية لا مجرد مرور للسنوات. الآخرون يشيبون لأنهم بدأوا «بتقبل الحياة وعقد صلح معها»، بينما يتأخر الشيب لأن الصراع مع الحياة لم ينته. وهكذا يصبح الشعر الأسود علامة على عدم المصالحة، لا على الشباب.

والموت لا يكتب .

حتى الكوابيس تدخل في هذه اللعبة؛ فالأشباح تتشبث بالنائم وتطلب منه ألا يستيقظ حتى لا تنتهي حياتها. وبذلك ينقلب النوم إلى فضاء يمنح الأشياء الميتة فرصة للبقاء. إن الاستيقاظ، في هذا المستوى، ليس خلاصًا بالضرورة؛ إنه أيضًا قتل لعالم كامل لا يستطيع الوجود إلا داخل الوعي.

والموت لا يكتب .

ثم يأخذ الانتظار شكلًا آخر. صندوق البريد الذي مُلئ بالورود ينتهي إلى نافذة مغلقة وصفحة ممتلئة بالأوراق اليابسة. هذه ليست صورة خيبة عاطفية وحسب، بل صورة للزمن حين يتحول الانتظار من احتمال إلى مادة تالفة. الورود لا تبقى ورودًا؛ تتحول إلى أوراق يابسة، كما تتحول اللهفة إلى زمن طويل لا يأتي منه شيء.

والموت لا يكتب .

ويبلغ النص منطقة أكثر حميمية حين يتحول الوجه إلى سجل للتجربة. القبلات المتصنعة، مساحيق التجميل، الصفعات، الزيت الساخن، أقنعة الجمال، ثم سلسلة الانفعالات اليومية: الابتسام، القلق، الدهشة، الحيرة، اللامبالاة، الحزن. 

والموت لا يكتب .

هنا يصبح الجسد نصًا موازيًا للنص المكتوب. فالوجه يحمل تاريخًا لا يمكن محوه. والتجاعيد ليست مجرد آثار عمر؛ إنها خطوط رسمها الزمن على سطح التجربة. ولذلك تأتي العبارة الساخرة: «الزمن رسام كلاسيكي ممل». إنها جملة تخفف من وطأة فكرة الشيخوخة بالسخرية، لكنها في الوقت نفسه تمنح الزمن صفة الفنان الذي يعيد رسم الوجه بالطريقة نفسها مهما حاول صاحبه مقاومة الرسم.

والموت لا يكتب .

وتتقدم التجربة بعد ذلك إلى علاقة الذات بالآخر، وبخاصة في مشهد الرقص. هناك محاولة لمجاراة خطوات الآخر، وفستان مستعار، ثم اكتشاف متأخر بأن الوقوف كان في المكان الخطأ لأداء الرقصة. هذه من أكثر لحظات النص دلالة؛ لأن الخطأ لا يعود إلى العجز عن الرقص، وإنما إلى اختيار موقع غير مناسب داخل المشهد.

والموت لا يكتب .

وفي هذا السياق تأتي عبارة «ألاحق ظله»، ثم الحبيبات اللواتي يقفن في الأمام وينتظرن بكامل أناقتهن، ولا يقتربن كثيرًا لأن «هكذا تقتضي قواعد الرقص». 

 كأن العلاقة نفسها أصبحت مسرحًا تحكمه قواعد غير مكتوبة، والذات تعرف القواعد لكنها لا تنجح في احتلال موقعها الصحيح فيها.

والموت لا يكتب .

ومن هنا يصل النص إلى أكثر مناطقه حسمًا: الانتماء.

«لا أنتمي إلى أحد، ولا إلى مكان، ولا إلى عائلة، ولا إلى فكر». ثم تأتي صورة قطع الساق العالقة بين الصخور. الصورة شديدة القسوة لأنها تجعل التحرر فعل بتر. ما يعيق الحركة لا يمكن إنقاذه؛ يجب قطعه. ولذلك لا تأتي الحرية بوصفها مكافأة، وإنما بوصفها نتيجة مؤلمة للفقد.

والموت لا يكتب .

والعبارة التالية تختصر ذلك كله: «حرية حزينة، لكنها حرية». 

والموت لا يكتب .

هذه ربما هي الجملة المركزية في النص كله. فهي تعيد تفسير ما سبق: الفراغ، القفص، الغراب، الوحدة، الانتظار، الجسد، العلاقة بالآخر. الحرية هنا ليست حالة انتصار، بل اختيار واعٍ لوحدة مؤلمة بدل انتماء يهدد استقلال الذات.

أما النهاية، حين تصبح التضحية بالنفس ممكنة من أجل إنقاذ سيجارة مختنقة من الانطفاء، فتستعيد اللغة سخريتها الأولى. بعد كل هذا الثقل الوجودي، لا ينتهي النص بحكمة ولا بخلاص، وإنما بصورة عبثية صغيرة. وهذا اختيار موفق؛ لأنه يرفض أن يحوّل التجربة إلى خاتمة تقريرية.

والموت لا يكتب .

ومن الناحية الفنية، تكمن قوة النص في أن الصورة لا تأتي لتزيين الفكرة، بل لتحل محلها. لا يقول النص: أنا أشعر بالاغتراب؛ وإنما يجعل القارئ يراه في القفص، وفي الغراب، وفي المربع، وفي نافذة البريد المغلقة، وفي الساق العالقة بين الصخور. ولهذا تظل الصور حية بعد زوال العبارات التفسيرية.

كما أن النص يمتلك نبرة خاصة تجمع بين الهشاشة والسخرية. إنه لا يكتب الألم بلغة مأساوية خالصة، وإنما يجاوره دائمًا شيء من المفارقة: سيجارة تجفف رائحة المطر، الزمن رسام ممل، فستان مستعار، أشباح تخشى الاستيقاظ، وسيجارة تستحق المخاطرة بالحياة لإنقاذها. هذه المفارقات تمنع النص من الاستسلام للشكوى.

وفي النهاية، لا يبدو أن النص يريد الوصول إلى جواب عن سؤال «من أنا؟». الأهم أنه يسجل رحلة الأنا وهي تفقد أشكال انتمائها واحدًا بعد آخر، حتى تصل إلى حرية لا تستطيع أن تصفها بالسعيدة، لكنها ترفض التخلي عنها.

لهذا يمكن النظر إلى «والموت لا يكتب الخاتمات» بوصفه نصًا عن الذات في لحظة انفصالها عن الأقنعة: عن الجسد حين يصبح ذاكرة، وعن الحرية حين تصبح وحدة، وعن الكتابة حين تتحول إلى محاولة أخيرة لإبقاء الوعي حاضرًا.

واللافت أن النص، رغم عنوانه الذي يحيل إلى الموت، لا يبدو منشغلًا بالموت بقدر انشغاله بما يحدث قبل الموت: كيف تحاول الذات أن تترك أثرًا يدل عليها، وكيف تقاوم أن تتحول إلى فراغ.

زر الذهاب إلى الأعلى