بحث في المسافة بين المتكلم والمخاطب في ديوان ” والموت لا يكتب الخاتمات ” نص” انت ” لـ “سحر عبده”

يمنات
عبدالودود سيف
قراءة في النص:
لا تقلها مراراً فقد قلت لي… لست لي.. لست لي.. لست لي.. لست ماضيك ذاك عذر الوفاء لأمحوك من خط مستقبلي… لست لي.. لا تذكر حنيني بها لا تعجل بها مقتلي… فالحياة انتظاري لوهم اللقاء الذي أنت رتبته للهوى الأول… ليس لي.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
في موعد عابر… أحاول أن لا ألوث ياقة قلبك بحمرة “أحبك” … أنسج من خيالي قصص العشاق الذين ينتظرونني، حين
تحدثني عن امرأة تنتظرك. وحين تنظر إلى ساعتك قلقاً أدعي أنني أحدث أحدهم على الهاتف… أصر على دفع ثمن كوب القهوة الذي لم تشريه حين تخبرني أن عليك أن تشتري لها باقة ورد حين تعود. وحين تخبرني أنك مغرم بها ، أسألك – كصديق – إن كان علي
أن أخرج مع أحدهم في موعد عابر… لأقول له: ” أحبك “…
هذه التي أختنق بها الآن.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
سبعة سنتيمترات يقطعها ظلي في ساعة ونصف، ولا يصل إليك.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
أحاول أن أحطم أسطورتك لأجرؤ على حبك…
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المسك… كما يلمس كاتب عجوز ورقة
بعد أن أصيب بالعمى…
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
أقص أظافري كي لا تخدش يدك، حين المسك دون قصد.. لا أضع عطراً، كي لا تعلق فيك رائحته حين أصطدم بك دون قصد.. لا أضع حمرة شفاه، كي لا يلتصق لونها بياقة قميصك حين أقبلك دون قصد.. وحين ترفض خيانة حبيبتك معي، لا أخبرك عن كل أولئك الذين خانتك معهم، دون قصد.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
أنا والمطر…
والدموع التي لم تكن ترتدي معطفاً
والحروف التي من شقوق الميازيب تهمي
أنا والأعاصير في ظلمة الوهم
وحدي
أنا والأسى والضجر…
أغطي جفاف انتظارك في داخلي بالوعود
لكي لا يبلل أشواقه
جرحك المنتظر…
كن كما أنت…
غيماً يمر على لهفتي غافلا
ثم يمضي سريعاً
ولا يترك الظل من خلفه
في فؤادي أثر…
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
بعد خمس ثوان من نشر تقرير رسمي، اكتشف خطأ نحوياً. بعد خمس ثوان من صعودي الحافلة بعد طول انتظار أكتشف أنني نسيت هاتفي في المنزل. بعد خمس ثوان من إرسال رسالة خاصة، أكتشف أنني أرسلتها إلى حساب خاطئ. بعد خمس ثوان من ابتسامتي العفوية لك بعد طول فراق، أتذكر أنني أكرهك.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
سوف تمضي إلى حيث لا نلتقي في بحار الشمال.. وانتظاري سيبقى إلى أن أموت انتظار المحال.. سوف تمضي إذا الريح مرت إلى حيث لا نلتقي يا صديقي فلا تعبر الريح من ضفة المشرق حيث ينمو الأسى في كفوف الجبال.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
كانوا ثلاثة حول الطاولة…
وضعت قلبي أمامهم، قطعته إلى ثلاث قطع غير متساوية…
ثم وضعتها في جيبي، لأعود بها إليك.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
كان يمكن أن أغني لك بقية عمري
لكنّك فتحت لي باب القفص…
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ديوان “والموت لا يكتب الخاتمات”
يبدأ النص من الجملة التي يبدو أنها حُسمت قبل أن يبدأ الكلام: «لست لي». لكنها لا تأتي مرة واحدة، وإنما تتردد حتى تبدو كأنها محاولة لإقناع قلب لا يقتنع. فالتكرار لا يثبت النفي بقدر ما يكشف عجزه عن أن يصبح حقيقة. وحين تقول: «لأمحوك من خط مستقبلي»، فإنها لا تحاول محو رجل من الذاكرة، بل تحاول محو احتمال أن يكون له مكان في الزمن الآتي. المستقبل نفسه يصبح مساحة للمقاومة.
ومن هذه النقطة يمضي النص كله في لعبة الاقتراب والامتناع. في الموعد العابر تجلس أمامه وهي تحاول ألّا تلوث ياقة قلبه بحمرة «أحبك»، فتخترع عشاقًا ينتظرونها، بينما هو يتحدث عن امرأة تنتظره. لا أحد يقول ما يريد، لكن كل شيء يقوله الجسد والسلوك. الساعة التي ينظر إليها بقلق، الهاتف الذي تتظاهر بالحديث فيه، كوب القهوة الذي تصر على دفع ثمنه، والباقة التي سيشتريها لحبيبته؛ تفاصيل صغيرة، لكنها تصنع المسافة كاملة بين اثنين يجلسان متقابلين ولا يستطيع أحدهما الوصول إلى الآخر.
ثم تنكمش المسافة حتى تصبح «سبعة سنتيمترات»، لكن الظل نفسه يقطعها في ساعة ونصف ولا يصل. المسافة هنا ليست بين جسدين، وإنما بين الرغبة وإمكان تحققها. ولذلك يصبح الظل، وهو أقرب ما يمكن أن يكون إلى صاحبه، عاجزًا عن بلوغ الآخر. وما إن تقول «أحاول أن أحطم أسطورتك / لأجرؤ على حبك» حتى ينكشف سبب آخر للعجز: المحبوب لم يعد شخصًا يمكن الوصول إليه، لقد صار أسطورة. والأسطورة لا تُحب من المسافة نفسها التي يُحب منها الإنسان.
لذلك تأتي صورة اللمس بوصفها لحظة شديدة الدلالة: «كما يلمس كاتب عجوز ورقة / بعد أن أصيب بالعمى». اللمس هنا محاولة لقراءة ما لم تعد العين قادرة على قراءته، ومحاولة للوصول إلى أثر الشيء بعد أن فقدت وسيلة الوصول إليه. ثم تتحول الرغبة في اللمس إلى سلسلة من الاحتياطات: تقص أظافرها كي لا تخدش يده، لا تضع عطرًا كي لا تعلق رائحته فيه، ولا تضع حمرة كي لا يلتصق لونها بياقة قميصه. إنها تحاول ألّا تترك أثرًا، لكنها في الوقت نفسه تكشف، بهذا الحرص كله، عن رغبة عميقة في أن يكون لها أثر.
وحين يرفض خيانة حبيبته معها، تأتي الجملة التي تقلب المشهد كله: «لا أخبرك عن كل أولئك الذين خانتك معهم، دون قصد». الحب هنا لا يعود اعترافًا نقيًا، ولا خيانة واضحة، بل يصبح منطقة ملتبسة تتجاور فيها الرغبة مع الإنكار، والقصد مع عبارة «دون قصد». وحتى الكراهية نفسها لا تثبت أمام عفوية لحظة واحدة؛ بعد طول فراق تبتسم له، ثم تتذكر أنها تكرهه. كأن المشاعر الحقيقية تصل دائمًا قبل القرارات التي تحاول ضبطها.
وفي المطر يتسع هذا العجز حتى لا يعود محصورًا بين شخصين. الدموع التي لا ترتدي معطفًا، والحروف التي تهوي من شقوق الميازيب، والأعاصير في ظلمة الوهم، والأسى والضجر؛ كل ذلك يصبح امتدادًا لحالة انتظار لا تجد ما تستند إليه سوى الوعود. حتى الجفاف الداخلي لا يُواجه، بل يُغطى بالوعود «لكي لا يبلل أشواقه / جرحك المنتظر». ثم يأتي الطلب الأكثر وجعًا: «كن كما أنت… / غيمًا يمر على لهفتي غافلًا». لا تطلب منه أن يتوقف، ولا أن يعود، بل أن يمضي دون أن يترك ظلًا. ومع ذلك فإن مجرد تمنّي غياب الأثر يؤكد أن الأثر موجود.
ويأتي مقطع «الخمس ثواني» كأنه خروج مفاجئ من الشعر إلى اليومي، لكنه في الحقيقة يواصل الفكرة نفسها. الخطأ النحوي، الهاتف المنسي، الرسالة المرسلة إلى الحساب الخطأ، ثم الابتسامة التي تأتي قبل تذكر الكراهية؛ كلها أخطاء صغيرة في توقيت الإنسان مع نفسه. خمس ثوانٍ تكفي لأن ينكشف ما حاول طويلًا أن يخفيه. وما يحدث في الحب ليس مختلفًا: لحظة واحدة من غفلة الإرادة تكشف ما عجزت كل محاولات الإنكار عن إخفائه.
ثم يعود الرحيل إلى صورته الأوسع: «بحار الشمال»، الريح، المشرق، الجبال، والأسى الذي ينمو في الكفوف. لكن الرحيل لا ينهي الانتظار؛ بل يتركه قائمًا حتى الموت، انتظارًا للمحال. يصبح الفراق هنا ليس غياب اللقاء فقط، وإنما استمرار الحياة على هيئة انتظار لشيء تعرف الذات أنه لن يحدث.
وفي مشهد الثلاثة حول الطاولة، يأخذ القلب شكلًا ماديًا: يوضع أمامهم، يُقطع إلى ثلاث قطع غير متساوية، ثم يعود إلى الجيب. لا شيء يُمنح فعلًا، ولا أحد يحصل على القلب. إنه قلب يُجزّأ فقط لكي يمكن حمله. وربما لهذا يبدو المشهد كله أقرب إلى محاولة امتلاك الألم والسيطرة عليه بعد أن تعذر امتلاك المحبوب.
ثم تأتي الجملة الأخيرة قبل الخاتمة: «كان يمكن أن أغني لك بقية عمري / لكنك فتحت لي باب القفص». في القفص كانت هناك أغنية، وكان هناك عمر يمكن أن يُعاش في اتجاه واحد. وحين فُتح الباب لم تأتِ الحرية بوصفها خلاصًا واضحًا؛ لقد انفتح معه احتمال فقدان الأغنية نفسها. ولذلك لا تبدو الخاتمة «والموت لا يكتب الخاتمات» إعلانًا لنهاية النص، بل نفيًا لفكرة النهاية كلها.
من أول «لست لي» إلى «الموت لا يكتب الخاتمات» يتحرك النص داخل تناقض واحد لا يستقر: محاولة التخلص من الحب وهي تستدعيه، محاولة الاقتراب منه وهي تحرس المسافة، محاولة ألا تترك أثرًا وهي تبحث عن موضع لها فيه، محاولة كراهيته فيما الجسد والذاكرة والابتسامة تفضح شيئًا آخر. ولهذا فإن أقوى ما في النص ليس القول المباشر بالحب، بل تلك التفاصيل التي تقول الحب من دون أن تسميه: ياقة القلب، القهوة، الساعة، الهاتف، العطر، الأظافر، حمرة الشفاه، الظل، المطر، الطاولة والقفص.
إنه نص لا يثق بالخاتمة؛ كلما ظن أنه وصل إليها فتح ثغرة جديدة في الجدار. وربما لهذا جاءت «أنت» عنوانًا أكثر اتساعًا من كل ما يقال عنه: فالمخاطَب لا يغادر النص حتى حين يغادر صاحبه؛ يبقى في الضمير، وفي المستقبل الذي أرادت محوه منه، وفي الانتظار، وفي الكراهية، وفي القفص المفتوح، وحتى في الموت الذي لا يملك أن يكتب الخاتمة.