يمنات
محمد القيرعي
حين آلت الأمور في صنعاء الى قبضة ثوار 21/ايلول _2014م، اتذكر انني خضتُ انذاك ومن موقعي فيها « كعضو لجنة ثورية عليا» العديد من السجالاًت النظرية والحوارية ذات الطابع الجدلي التحليلي مع المعنيين في ادارة الشئون العامة للبلاد .. حول الدور المفترض بالتنظيمات واللجان الثورية والشعبية الناشطة والمهيمنة بتطرف وبغطرسة لا متناهية في غالب الأحيان على مختلف هيئات الدولة (مدنية – وعسكرية) وحول ضرورة تقويمها المبكر بعد ان جعلوا منها بعض «مستفيدي الثورة من متسلقي جدرانها الكثر امثال خالد المداني و طه المتوكل» حجاباً مضروباً بين الناس وإدارة البلاد… محولين اياها الى ادوات قمع وتسلط وهيمنة مليشاوية جبارة.. وبنوازع وتوجهات احتكارية – طبقية.. مذهبية – سلالية كاملة لم تعد خافية على العيان.. مثلما لم يعد في مقدورنا ايضا كسلطة ثورية دحضها او انكارها .. الخ
وكان القائد الاعلى للثورة السيد عبد الملك بدر الدين الحوثي من بين قلائل القادة الذين تطرقت معهم شخصيا لتلك المعضلة الشائكة والمتشعبة.. وبالتحديد في منتصف مارس العام 2015م اثناء اجتماعنا به- اعضاء الثورية العليا في صعدة.. مبينا لسماحته حجم وضراوة النتائج الناجمة والمتوقعة عن مخاطر الانفلات والهيمنة غير الضرورية وغير المبررة اصلا التي تعتري دور وسلوك اللجان الثورية والشعبية في الهيئات.. قائلا للسيد بالحرف الواحد.. يا سيدي نحن نقود ونمثل عملية ثورية وطنية ذات طابع جماهيري شعبي – مدني تحديثي – طموح.. وبالتالي ينبغي علينا المبادرة من الان بتقديم انفسنا ومشروعنا الثوري للناس بمختلف اطيافهم وتوجهاتهم وفئاتهم الاجتماعية والطبقية بطريقة اكثر نجاعة وتقدمية.. وبوسائل كفيلة باقناعهم باننا بالفعل حملة مشروع وطني – مدني تقدمي.. حضاري شامل وعام. موضحا لسماحته في هذا المنحى بأن اسواء المخاطر والتحديات المتنامية المحيقة اليوم بعمليتنا الثوريه برمتها .. تكمن من وجهة نظري في مظاهر السلبية والتعالي الطبقي والغطرسة الفئوية والمذهبية التي تحكم اداء وسلوك اغلب مشرفي اللجان الشعبية والثورية في مختلف هيئات الدولة.. والذين باتوا يشكلون من خلال سلبيتهم وعبثيتهم تلك احد ابرز الاعباء الرئيسية الملقاة على عاتق الثورة.. ان لم يكونوا قد تحولو بالفعل الى احدى حجرات العثرة الرئيسية امام امكانية انطلاقة الثورة صوب المستقبل.. وتمتين علاقتها الكفاحية بمختلف القوى الاجتماعية والجماهيرية من حولها بشكل امن ومثمر وبما يلبي تطلعاتنا الوطنية المتمثلة اولا باستعادة هويتنا الوطنية المستقلة وتكريس قرارنا السياسي والوطني المستقل الذي سيؤمن لنا ولا شك سبل الظفر النهائي بتحقيق تطلعاتنا الحداثية.. الخ
عارضا عليه اي القائد الأعلى صورة معتمة ومخجلة جدا ومسيئة لدور الثورة ورجالاتها اينما وجدوا.. حول ما يجري في هذا الصدد من استحواذ ومصادرة لصوصية مشاعية مفتوحة وباسم الثورة ذاتها لدور ومهام وصلاحيات وحتى الأختام الرسمية ايضا .. لكافة مسؤلي الهيئات الحكومية الاوائل.. من وزراء ومحافظين ورؤساء مصالح خدمية وتنموية مختلفة ومدراء عموم.. الذين تحولوا الى دمي للاستعراض النفاقي وللاستهلاك الدعائي لا اكثر لصالح مشرفي اللجان الثورية في تلك الهيئات.. والذين لا يمت اغلبهم للعمل الاداري واللوجستي اصلا باية صلة او معرفة تقنية وادارية واجرائية مفترضة في مثل حالات كتلك ..
عارضا على سماحته «اي القائد الاعلى» في الوقت ذاته.. مقترحي لمعالجة تلك الظاهرة الاستحواذية الهدامة.. والمتمثلة بضرورة المبادرة الفورية من قبلنا «كهيئة ثورية عليا مناطة بادارة الشئون العامة للبلاد » بتقزيم دور هذه الهيئات.. واللجان الثورية وتجريدها من صلاحياتها اللامحدودة.. وغير المقيدة باية قوانين او التزامات او مسؤليات ثورية واخلاقية.. وذلك عبر المسارعة بترشيد وتقويم مهامها الميدانية والأشرافية بطريقة مدروسة وشفافة ومنظمة.. تنطلق اولا من ضرورة واهمية ابقائنا على الثقة المؤسساتية قائمة وملموسة لدى الجميع.. وبطريقة تمكن كافة مسؤلي اوائل الهيئات الحكومية والخدمية من وزراء ومحافظين ومدراء عموم ورؤساء مصالح حكومية.. من الاحتفاظ بكامل صلاحياتهم المهنية والادارية.. وممارستها على الوجه الامثل والاحتفاظ بحرية اصدارهم لقراراتهم الادارية.. بالاضافة وهذا هو الاهم الى استعادة اختامهم الادارية من قبضة مشرفي اللجان الثورية الذين ينبغي ان تنحصر مهامهم في هذه الحالة « كلجان شعبية وثورية في تلك الهيئات» بالطبيعة الرقابية السلمية والبحتة.. عبر ابتداع شكل متقدم من اشكال الرقابة الادارية والفنية التي تخول للجان الشعبية ومشرفيها الاوائل القيام بمهام بالاشراف الرقابي على مختلف السياسات والاجراءات الادارية والمالية المتخذة في الهيئة.. او الوزارة المعنية.. لتقييم مدى صوابية القرارات المهنية المتخذة ومدى شفافية السياسات المالية المتبعة في الهيئة .. بما فيها فرض الرقابة الثورية على شيكات الصرف والانفاق المالي في الهيئة او الوزارة المعنية.. وعند اكتشافهم لاي مخالفة مدعومة بالأدلة والقرائن الثابتة، يقومون بالفور بضبطها وتحريرها في محاضر رسمية شفافة.. ومن ثم احالتها لهيئات انفاذ وتطبيق القانون… الخ
وبهذه الطريقة.. سنتمكن من ناحية اولى وكسلطات ثورية عليا.. من الحد بدرجة مؤكدة من مظاهر الفساد المالي والذمي ومن اشكال البيروقراطية الادارية السائدة والمتجذرة في البلد.. وتقليم اظافر المزاجية التي اعتدناها خلال اغلب سني حياتنا من قبل اغلبية مسؤلي الهيئات الحكومية المختلفة فيما يخص طرقهم الابوية القديمة في ادارة شئون اداراتهم..
ومن ناحية اخرى وفي حالات الاحالة المفترضة لرؤوس وملفات الفساد المضبوطة من قبل اللجان الثورية ومشرفيها في الهيئات سنكون قادرين ايضا على تقديم انفسنا والثورة.. للناس وبثقة مفرطة بوصفنا حملة مشروع وطني تقدمي حداثي حقيقي ووليد من رحم ايلول_2014م ..
وبالطبع فقد حظي مقترحي ذاك لاصلاح لمسار العملية الثورية باعجاب وباستحسان القائد الاعلى للثورة سماحة السيد عبد الملك بدر الدين الحوثي.. وبمباركته وموافقته غير المشروطة للتنفيذ الفوري لبنوده على ارض الواقع العملي ..
الا ان شيئا من ذلك لم يتحقق.. لان العديد من الثملين على الدوام بالزوامل الثورية من المتربعين على ناصيتي القرارين الامني والاستخباراتي الذين اعتقدوا جازمين ان اجراءات تقويمية من ذلك النوع تعد طعنة تامرية في ظهر الثورة التي تخوض حربا على جبهتين.. حرب مع سياسية ضارية مع القوى الرافضة والمناوئة للثورة في الداخل ممن انهكونا انذاك في جولات حوار موفنبيك الفارغة.. وحرب صامتة اخرى واشد ضراوة في مواجهة العزلة الدولية المتزايدة التي بدأها الخليجيون وازلامهم في المنطقة العربية والعالم.. لعزل الثورة والشعب اليمني عن محيطهم الاقليمي.. والتي مهدت لوجستيا لنشوب الحرب الثالثة والاهم « العدوان» التي لم تكن قد نشبت بعد «كون ذلك الموقف حدث قبل العدوان السعودي – اماراتي بحوالي عشرة ايام»..
العجيب في الامر هي اننا كنا نعيش تلك الفترة حدادنا الخاص والمزري على شهيدنا المغدور من الداخل لا محالة الشهيد عبد الكريم الخيواني، الذي كان مكلفا قبيل استشهاده برئاسة اللجنة المناطة باعداد شكل ومصفوفة المجلس الوطني الانتقالي.. «كبرلمان ثوري» منتقى بعناية من الشخصيات السياسية والاعتبارية والفكرية الوطنية غير الملوثة بدنس انظمة الحكم البائدة وعبر التمثيل العددي المتكافئ للمحافظات والقوى الاجتماعية بما فيها نحن معشر المهمشين الذين حددت حصتنا التشريعية بخمسة اعضاء.. احدهم سيتبوأ..«كحق حصري تمثيلي» منصب نائب رئيس المجلس المقترح كبرلمان انتقالي كان سيناط به اشراك اعضائه في رسم المستقبل السياسي والمدني للبلاد بغية منح الثورة والدولة معا طابعهما المدني والمؤسسي المفترض.. الامر الذي كان سيخلصها في المقام الاول من براثن اللجان الشعبية والثورية ومشرفيها القادمين الى حياتنا على هيئة جحافل المغول المرسومة في الذاكرة القومية المتوارثة والمروية .
والامر الاكثر غرابة واثارة للريبة في هذا الشان يكمن في ان مقتل الخيواني او اغتياله.. حدث بعد اقل من ساعة واحدة فقط على اجتماعنا الاكثر سرية وتكتما به في دار الرئاسة واقرارنا واياه المسودة النهائية لشكل وتفاصيل المجلس الوطني الانتقالي، لنغادر واياه مقر الاجتماع مغمورين بنشوة النصر المكلل بمسعانا الحثيث لانجاح المشروع المؤسسي للثورة والدولة معا.. فرحة اندثرت مع مشروع المجلس الوطني الى غير رجعة.. وبعد حوالي خمسين دقيقة فقط على اقراره. خمسين دقيقة كانت هي الفاصلة بطبيعة الحال ما بين ميلاد المجلس الوطني الانتقالي وموته الفوري المحقق باغتيال مهندسه الرئيس عبد الكريم الخيواني..ولتطل علينا ذات القوى الأستخباراتية والامنية المبندقة والرافضة عمليا لاي نهج اجرائي هادف لمأسسة الدولة والثورة بافادة مقتضبة حول ضلوع تنظيم القاعدة باغتيال الخيواني والمشروع البرلماني الوليد برمته.. دون ان تكلف نفسها حتى عناء تنفيذ رغبتنا في الثورية العليا انذاك بفتح تحقيق وطني جدي وشفاف لمعرفة خفايا وملابسات ودوافع اغتيال الخيواني… الخ
لقد ولدت في نفس السنة التي انقضت فيه قبائل شمال الشمال المتحالفة تقليديا مع عصابات اليمين الديني.. والمرتعبة انذاك من احتمالية التعايش مع فكرة الثورة والجمهورية على الشرعية الثورية لثورة سبتمبر الام 1962م.. مدشنة من خلال تلك الخطوة اول سلسلة من انقلاباتها المتعددة ضد الشرعية الثورية.. انقلاب يونيو 1967م، ضد السلال والذي افسح طريق السلطة والهيمنة المشاعية لتحالف قوى اليمين الديني والعشائري التي لا تزال تعيث غيا وفسادا في البلاد.
ومنذ تلك الحقبة لا تزال القبيلة ومن خلال ارتكازها على متانة وتاريخية تحالفها الانهزامي الماضيوي المخزي مع عصابات المطاوعة الملتحية تشكل العدو الابرز لكل اشكال ومظاهر الحداثة والتمدن الاجتماعي والوطني والحضاري المقترحة والمحتملة..
اليوم لا تزال القبيلة هي ذاتها العدو التقليدي لاية ظاهرة.. او مشروع حداثي وطني .. مثلما لا تزال في مواجهة حربية ضارية ومفتوحة ضد الشعب والبلاد مقوضة من خلال نهجها الالغائي المسعور ذاك كل طموحاتنا وتطلعاتنا التحررية.. بما فيها ملحمة ايلول 2014م الثورية ، لكنها هذه المرة وفي مواجهة ايلول 2014م برزت بصورة اكثر قبحا ووضاعة وخسة وضراوة وانحطاطا ووحشية من كل تجاربها الارتدادية الماضية.. وبصفات مشحونة الى جانب روحها الارتزاقية بالعطش الدموي والكراهية الطبقية الممقوتة لمن هم ادنى عشائريا وفق تصنيفاتها الهرمية للمجتمع ، وكله بفعل.. وبفضل المبررات التي قدمناها ولا نزال نقدمها لهم تباعا على هيئة مشرفي وجلاوزة اللجان الشعبية والثورية.. الذين اسهموا بصورة لا بأس فيها ومن خلال مجونهم التصوفي المتنامي منذ تشكل الجذور التكوينية الاولى لثورة ايلول 2014م.. بتسميم الروح الثوريه واعطابها من الداخل.. مانحين اعداء الثورة في الداخل والخارج كل الاسباب والدوافع والمبررات الكافية لتسعير حروبهم وكراهيتهم وبغضهم الطبقي والألغائي لنا ولايلول 2014م.. فيما نحن لا نزال ثملين حتى النخاع بترديد الزوامل والشعارات الثورية.. غير مدركين.. او مباليين بحجم المخاطر الكامنة ضد الثورة من داخلها..
هل تذكرون كيف اقدم احد مشرفي هذه اللجان الثورية المدعو «عبدالله ادريس» بمدينة رداع في مارس العام 2024م اثناء سعيه لمعاقبة قاتل مزعوم وفار من قبضته بتفجير حي كامل بالديناميت وبصورة اسفرت عن ازهاق ما لا يقل عن اثنا عشر ضحية اغلبهم نساء واطفال.. وفي واقعة اجرامية مخجلة لا يمكن يتبرير همجيتها باي حال من الاحوال.. مع انها في الاول والأخير محسوبة على ايلول 2014م.. وليس على مرتكبها الضال عبدالله ادريس ..
في الاخير.. ما من شك في ان سماحة القائد الاعلى للثورة.. كان يدرك بوضوح حجم المخاطر الناجمة عن صراحتي تلك وتهوري الفكري في كثير من الاحيان للنبش خفايا الامور .. لأنه نبهني ذات مرة وعبر الزميل ابو علي الحاكم بان اعدائي في الداخل الثوري اكثر بكثير من اعدائي خارجها.. لكنني اوضحت لهم أنني وكعقائدي ماركسي ومبشر ثوري بعلم الاجتماع السياسي والاقتصادي، فان فلسفتي السياسية والثورية قائمة عادة على ما امتلكه من قدرة ذاتية وحسية على النقد الجذري لمجريات الاحداث والتطور والتبدلات الجارية من حولي وفي محيطي، لأنني وكشيوعي ينبغي ان اكون شغوفا بدراسة وتحليل مفردات الاشياء انطلاقا من شغفي الفلسفي الموروث بتحليل الظواهر المحيطة بي وتتبّع طرق سيرها ونموها..وما الت او ستؤل اليه الأمور على هذا النحو.. او ذاك … الخ
انها القدرة الذاتية التي عادة ما يكتسبها امثالي بصورة بديهية وسلسة للاحساس بمدى الجور والاذلال والالم الذي يكتنف اولئك الذين يطالهم الاستبداد وتتعرّض حياتهم وحقوقهم حرياتهم المدنية والانسانية للفرم والطحن والمصادرة اللصوصية من قبل المتنمرين ولصوص الثورات.
خلاصة القول اود هنا لفت نظر القيادات السياسية العليا في هرم ايلول 2014م، الى ان غلاة متطرفي الامبريالية الاستعمارية الاميركية والاوروبية لم يفلحوا طول سبعة وستين عاما من المؤامرات والدسائس والحصار في زحزحة الثورة الكوبية في الكاريبي او اسقاطها.. لسبب وجيه وبسيط جدا.. وهي انها نشبت منذ البداية لأرساء أسس العدالة الاجتماعية وتكريس هويتها القومية وقرارها الوطني المستقل مستندة في المقام الاول بمتانة تحالفاتها الطبقية مع قوى الشعب الكادح والطموح من حولها.. بالاضافة.. وهذا هو الاهم الى اتسمامها منذ انطلاقتها الاولى بالمصداقية والشفافية والنزاهة والمثالية القيمية والاخلاقية.. ولانها خلت في المقام الثاني من مشرفين ثوريين مفصلين على مقاس، الثنائي الهجين «خالد المداني وطه المتوكل» ما اعجز كل جحافل الامبريالية الاميركية وعملائها في الداخل الكوبي وخارجه عن ايجاد ثغرة واحدة للتسلل من خلالها وتقويض دعائم الثورة التي انتصرت بقيادة الرفيق فيدل كاستروا في الثالث من يناير العام 1959م ولا تزال منتصرة حتى اللحظة..








