المثقف المريض

يمنات
زكريا نمر
ليست الثقافة كمية من الكتب محفوظة في الذاكرة، ولا عدد الشهادات المعلقة على الجدران، ولا قدرة الإنسان على الحديث بمصطلحات فلسفية وسياسية معقدة. الثقافة، في معناها الأعمق، هي ما تفعله المعرفة بالإنسان بعد أن تدخل إلى عقله: هل تجعله أكثر تواضعا أم أكثر غرورا؟ أكثر قدرة على السؤال أم أكثر يقينا بنفسه؟ أكثر احتراما للآخر أم أكثر رغبة في إسكاته؟فالإنسان قد يقرأ كثيرا، ثم يبقى أسير غروره. وقد يحمل أعلى الشهادات، لكنه يعجز عن مراجعة فكرة واحدة يؤمن بها. وقد يتحدث طوال الوقت عن الوعي، بينما يمارس في حياته اليومية أكثر أشكال التعصب والوصاية والقطيعة.المثقف، في جوهره، ليس شخصا يملك المعرفة فقط، بل شخصا يعيش في حالة دائمة من مساءلة الذات والعالم. يعرف أن أفكاره ليست مقدسة، وأن الحقيقة أكبر من شخصه، وأن الاعتراف بالخطأ لا ينتقص منه. لذلك لا يخشى الإنسان المختلف عنه، ولا يرى نجاح الآخر إهانة له، ولا يحتاج إلى تحطيم منافسه حتى يشعر بقيمته.
هناك من يدخل عالم الثقافة بحثا عن الحقيقة، وهناك من يدخلها بحثا عن المكانة. الأول يستخدم المعرفة لكي يفهم نفسه والعالم، والثاني يستخدمها لكي يصنع سلطة حول نفسه. الأول يرى الاختلاف ضرورة، والثاني يراه تهديدا. الأول يستطيع أن يقول «لا أعرف»، بينما يعتبر الثاني الاعتراف بجهله سقوطا فيحاول تغطيته بالكلام.وهذا ما يمكن أن نسميه المثقف المريض.لا أقصد بالمرض هنا مرضا طبيا، وإنما حالة ذهنية يصبح فيها الوعي نفسه أداة للغرور، وتتحول المعرفة إلى وسيلة لمراقبة الآخرين ومحاكمتهم، ويصبح النقاش معركة لإثبات الذات بدلا من أن يكون بحثا مشتركا عن الحقيقة.يمكنك أن تكتشف هذا المثقف من التفاصيل الصغيرة قبل المواقف الكبيرة.إذا سألته عن شخص ناجح، لا يحدثك عن تجربته أو أفكاره، بل يبحث عن عيب ينسف به صورته.إذا ظهر كاتب جديد، يسأل: من يقف خلفه؟ ومن أين حصل على هذه الفرصة؟ وكأن نجاح الآخرين لا يمكن أن يكون نتيجة للجهد، بل لا بد أن يكون وراءه شخص أو مصلحة.إذا قرأ مقالا جيدا، يبحث عن خطأ لغوي أو تفصيل صغير حتى يتجنب الاعتراف بقيمة الفكرة كلها.إذا حصل شخص على فرصة، لا يسأل عما قدمه، بل يبدأ في تفسير نجاحه بالعلاقات والحظ والمجاملات.وإذا اختلف معه أحد، لا يناقش الفكرة، بل ينتقل إلى صاحبها: عمره، خلفيته، علاقاته، شهاداته، شخصيته، وحتى حياته الخاصة أحيانا.هذه ليست ممارسة للنقد هذا هروب من النقد.لأن النقد الحقيقي يواجه الفكرة بالفكرة، والحجة بالحجة، والدليل بالدليل. أما تشويه صاحب الفكرة فهو غالبا أسهل طريق لمن لا يستطيع مواجهة ما يقوله.ثم يأتي القطيع ليكمل المهمة. كلمة بلا دليل تتحول إلى حديث، والحديث يتحول إلى إشاعة، والإشاعة تتحول إلى حقيقة بمجرد أن يكررها عدد كاف من الناس. لا أحد يعود إلى المصدر، ولا أحد يسأل الطرف الآخر، ولا أحد يتوقف لحظة ليقول: ربما نحن مخطئون.وهنا تفقد الثقافة وظيفتها الأساسية.
فالوعي الذي لا يعلم الإنسان الشك في نفسه يتحول إلى غرور. والمعرفة التي لا تنتج تواضعا تتحول إلى أداة للهيمنة. والقراءة التي لا تغير طريقة الإنسان في النظر إلى الآخرين قد تزيد معلوماته، لكنها لا تزيد إنسانيته بالضرورة.المثقف الحقيقي لا يحتاج إلى قطيع يحرس صورته.لا يحتاج إلى تشويه منافسه.ولا يحتاج إلى إطفاء الضوء عن الآخرين حتى يظهر هو.هو قادر على أن يرى شخصا أكثر منه معرفة ويقول: تعلمت منه. وقادر على أن يرى شابا يتقدم في المجال الذي يعمل فيه دون أن يشعر بأن مكانته تتراجع. وقادر على أن يختلف مع شخص بشدة، ثم يحترم حقه في الاختلاف.أما حين يصبح هدف المثقف هو أن ينتصر شخصه، لا أن تنتصر الحقيقة، فهنا ينبغي أن نتوقف ونسأل: هل نحن أمام مثقف فعلا، أم أمام شخص يستخدم الثقافة لإخفاء هشاشته؟فالثقافة التي لا تهذب الأنا قد تتحول إلى أكثر أشكال الغرور أناقة.والكتب تستطيع أن تملأ العقل، لكن الإنسان هو الذي يقرر ماذا يفعل بما امتلأ به عقله.