فضاء حر

كرامة اليمني ليست غنيمة حرب… ولا ثأرًا يُورَّث

يمنات

يحيى القحطاني

من حقنا، نحن اليمنيين الذين دفعنا ثمن هذه الحرب من دمائنا وبيوتنا وأمننا ومستقبل أبنائنا، أن نقولها بلا خوف ولا مواربة: كفى. كفى حربًا تُدار بمنطق الانتقام، وكفى صراعًا يُحوّل اليمني إلى عدو دائم لأخيه اليمني، وكفى صمتًا سياسيًا على انتهاك كرامة الإنسان.

حين يصل الصراع إلى إهانة الأسير، والتنكيل بالمحتجز، والتمثيل بجثمان القتيل، فإن القضية لم تعد قضية معركة أو انتصار عسكري؛ إنها قضية سقوط سياسي وأخلاقي يجب أن تتحمل مسؤوليته كل جهة تملك السلاح والقرار والتأثير.

فالأسير بعد أسره لم يعد هدفًا للقتال أو الانتقام، والقتيل لا يملك بعد موته سوى حقه في الكرامة. وإهانة أحدهما أو التنكيل بهما ليست انتصارًا ولا شجاعة، بل انتهاكٌ صريح للإنسانية وسقوطٌ في منطق الثأر. ومن يجعل من الأسير والقتيل وسيلةً للتشفّي واستعراض القوة، فإنه لا ينتصر في الحرب، بل يهدم ما تبقى من قيمها ويفتح بابًا لانتقامٍ أشد وأطول.

والأخطر من الجريمة نفسها أن تتحول إلى ممارسة محمية بالصمت أو التبرير السياسي. لا يمكن لمن يرفع شعار الدولة أن يصمت عندما تُنتهك كرامة الإنسان، ولا لمن يتحدث عن القانون أن يطالب به عندما يكون الضحية من معسكره ويتجاهله عندما يكون الضحية من خصومه.

إن أخطر ما فعلته الحرب في اليمن أنها لم تكتفِ بقتل الناس وتدمير المدن؛ بل دفعت المجتمع تدريجيًا نحو قبول فكرة أن كل شيء مباح ما دام يُرتكب باسم الشرعية أو الجماعة أو الوطن. وهنا تكمن الكارثة الحقيقية: عندما يصبح الانتماء الجغرافي أو المناطقي أو السياسي مبررًا للجريمة، يصبح القانون مجرد شعار، وتصبح الدولة رهينة لمنطق القوة.

أيها المتحاربون، أيًا كانت مواقعكم وشعاراتكم: أنتم لا تملكون اليمن، ولا تملكون حق تحويل اليمنيين إلى وقود لصراعاتكم. هذا الوطن ليس ملكًا لجماعة أو حزب أو قيادة عسكرية، ولن يكون مستقبل اليمن رهينةً لمنطق الثأر.

إننا بحاجة إلى موقف سياسي واضح لا يخضع للازدواجية: إدانة إهانة الأسرى، ورفض التنكيل بالمحتجزين، وتجريم التمثيل بجثامين القتلى، ومحاسبة المسؤولين عن هذه الأفعال، أيًا كانت الجهة التي ينتمون إليها. فالمحاسبة التي تُطبق على الخصم فقط ليست عدالة، والقانون الذي يتوقف عند حدود الانتماء السياسي ليس قانونًا.

وإذا كانت القوى المتحاربة جادة في الحديث عن الدولة والسلام والمصالحة، فعليها أن تبدأ من أبسط اختبار للإنسانية: كيف تعامل خصمك عندما يصبح في قبضتك؟

نحن لا نريد حربًا أكثر “انتصارًا”، بل نريد يمنًا أقل موتًا وأكثر إنسانية. لا نريد أن نورّث أبناءنا صور الإذلال والثأر، ولا أن نترك لهم بلدًا تحكمه ذاكرة الجريمة والانتقام.

أوقفوا تحويل الحرب إلى ثأر. أوقفوا استباحة كرامة الإنسان. أوقفوا استخدام القتلى والأسرى وقودًا للصراع السياسي.

فمن يريد أن يحكم اليمن أو يتحدث باسم مستقبله، عليه أن يدرك أن كرامة اليمني ليست ورقة تفاوض، وإنسانية اليمني ليست غنيمة حرب، واليمن ليس ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات.

الحرب ستنتهي يومًا، لكن آثار الجرائم ستبقى. ومن يزرع الإهانة والثأر اليوم، سيجد نفسه غدًا أمام وطن أكثر انقسامًا وأجيال أكثر غضبًا. أما من يضع حدًا لهذا الانحدار، فيكون قد بدأ بالفعل أول خطوة نحو يمن يستطيع أبناؤه أن يعيشوا فيه معًا.

والله من وراء القصد.

زر الذهاب إلى الأعلى