قضايا هامشية.. حين تعجز الحضارة عن حماية نفسها

يمنات
عبد الكريم الشهاري
من أثينا إلى بغداد: لماذا ينتصر السيف على العقل؟
ما الذي يجعل مدينة تنجب الفلاسفة، وتحتضن الفنون، وتؤسس لتقاليد الفكر والسياسة، عاجزةً عن حماية نفسها أمام مدينة جعلت الحرب محور حياتها؟ وكيف يمكن لعاصمةٍ كانت منارةً للعلم والمعرفة أن تسقط أمام جيوش لا تحمل إرثها الثقافي ولا تشاركها تاريخها الفكري؟
ليست هذه أسئلة افتراضية، لكنها مفارقات تتكرر في التاريخ الإنساني، أثينا التي ارتبط اسمها بسقراط وأفلاطون وأرسطو، هُزمت أمام إسبرطة، وبغداد، التي احتضنت عصراً ذهبياً من العلم والفلسفة والأدب، سقطت أمام المغول، وروما، التي تركت بصمتها في القانون والإدارة والعمران، عجزت عن الحفاظ على إمبراطوريتها الغربية.
كأن التاريخ يضعنا أمام مفارقة قاسية: ليست الحضارة وحدها ما يضمن البقاء، وليست المعرفة وحدها ما يمنح أصحابها القدرة على تقرير مصيرهم، فقد ينتصر مجتمع أقل إسهاماً في ميادين الفكر والفنون على مجتمع أكثر ثراءً فيها، لأنه امتلك في لحظة حاسمة، أدوات القوة التي افتقر إليها خصمه.
لكن هل يعني ذلك أن البدائية تهزم الحضارة؟ أم أن السؤال الأعمق هو: كيف يحدث أن تنجح المجتمعات في بناء حضارات عظيمة، ثم تعجز عن بناء القوة السياسية والمؤسسية اللازمة لحمايتها؟
أثينا وإسبرطة: حين لا تكفي العظمة الفكرية
في اليونان القديمة، بدت أثينا وإسبرطة وكأنهما نموذجان مختلفان للحياة السياسية، كانت أثينا مركزاً للفلسفة والمسرح والفنون والتجربة الديمقراطية، أما إسبرطة، فكان مجتمعها أكثر عسكرة، يقوم على الانضباط والتدريب العسكري، وعلى نظام اجتماعي شديد القسوة في إخضاع (الهيلوتس) الذين اعتمد عليها اقتصادها الزراعي، وفي الحرب البيلوبونيسية، التي امتدت من عام 431 إلى عام 404 قبل الميلاد، انتهى الصراع بهزيمة أثينا.
لم تنتصر إسبرطة لمجرد أنها كانت أكثر قسوة، ولم تُهزم أثينا لأنها انشغلت بالفلسفة، فقد استنزفت الحرب موارد أثينا، وضربها الطاعون، ثم جاءت حملتها الكارثية على صقلية لتلحق بقدراتها العسكرية خسائر فادحة، وفي المقابل، حصلت إسبرطة على دعم مالي فارسي، وطورت قوتها البحرية حتى استطاعت منافسة أثينا في المجال الذي اشتهرت بتفوقها فيه.
لم تكن المسألة انتصار الجهل على المعرفة، ولكن انتصار القدرة على التكيف واستغلال أخطاء الخصم في صراع طويل، ومع ذلك، تكشف هذه الحرب عن درس سياسي بالغ الأهمية: قد يمتلك المجتمع ثروة فكرية وثقافية، لكنه لا يستطيع تحويلها تلقائياً إلى قدرة على الصمود، فالفلسفة لا تعفي الدولة من سوء الإدارة، والمسرح لا يعوض خسارة الأسطول، وعظمة الماضي لا تحمي الحاضر من نتائج القرارات الخاطئة، لم تكن أثينا فقيرة بالعقول، لكنها لم تكن محصّنة بأفكارها من الهزيمة.
بغداد: عندما سقطت المعرفة تحت سنابك الخيول
إذا كانت أثينا تقدم مثالاً على هزيمة مدينة مزدهرة في الفكر والسياسة، فإن سقوط بغداد يقدم صورة أشد إيلاماً، في عام 1258م، حاصرت جيوش هولاكو بغداد، عاصمة الخلافة العباسية، وانتهى الحصار بسقوط المدينة ومقتل الخليفة المستعصم وانهيار الخلافة العباسية في بغداد، كانت بغداد تحمل إرثاً علمياً وثقافياً هائلاً؛ فقد ارتبط اسمها بحركة الترجمة، والفلسفة، والطب، والرياضيات، والفلك، والأدب. لكنها كانت قد فقدت جانباً من قوتها السياسية والعسكرية السابقة، ولم تعد في ذروة ازدهارها القديم حين واجهت الغزو المغولي.
أما المغول، فلم يكونوا متفوقين على الحضارة الإسلامية في الفلسفة والعلوم، لكنهم امتلكوا قوة عسكرية منظمة، وقدرة على الحشد والحركة، وخبرة في الحملات والحصار، واستفادوا من خبرات تقنية لدى الشعوب التي أخضعوها، وهنا تظهر المفارقة: لم تستطع ثروة بغداد المعرفية أن تمنع سقوط دولتها، لكن ذلك لا يعني أن المعرفة كانت بلا قيمة، أو أن سقوط العاصمة كان نهاية الحضارة الإسلامية، إن سقوط مدينة لا يساوي سقوط كل ما أنتجته، كما أن انتصار جيش لا يجعله وريثاً تلقائياً لكل ما هزمه، قد تسقط الدولة، بينما تستمر ثقافتها في مدن أخرى، وقد ينتصر الغزاة عسكرياً ثم يحتاجون إلى خبرات الشعوب التي أخضعوها كي يحكموا أراضيها، ومع ذلك، يبقى السؤال موجعاً: ما قيمة أن تكون المدينة موطناً للعلم إذا عجزت الدولة عن حشد القوة اللازمة لحمايتها؟
المكتبة لا تدافع عن نفسها، والعالم لا يستطيع وحده ردّ جيش، والفيلسوف لا يحل محل المؤسسة العسكرية، فالمعرفة تحتاج إلى اقتصاد يدعمها، ومؤسسات تحمي شروط إنتاجها، ودولة تستطيع الدفاع عن المجتمع الذي يحملها.
روما والصين: في سياق هزيمة المدنية من الداخل وانتصار الهمجية من الخارج
لم تكن روما أقل دلالة على هذه المفارقة. ففي عام 410م، دخل القوط الغربيون بقيادة (ألاريك) مدينة روما ونهبوها، وبعد عقود، انتهى الحكم الإمبراطوري في الغرب عام 476م، وهو التاريخ التقليدي لسقوط الإمبراطورية الرومانية الغربية.
لم يحدث ذلك لأن الغزاة امتلكوا تفوقاً حضارياً شاملاً على الرومان، ولكنه حدث وسط أزمات سياسية ومالية وعسكرية متراكمة، واضطرابات في إدارة الإمبراطورية، وتحولات في علاقاتها مع الجماعات الجرمانية، التي كان بعضها حليفاً لها أو جزءاً من قواتها، لم تكن الضغوط الخارجية وحدها كافية لتفسير السقوط؛ فقد تفاعلت مع أزمات الداخل حتى أصبحت الدولة أقل قدرة على احتواء التهديدات المتزايدة.
وتتكرر صورة أخرى في الصين، حين دخلت القوات المانشوية بكين عام 1644، في خضم انهيار حكم أسرة مينغ، فقد تداخلت التمردات الداخلية والأزمات السياسية مع التدخل العسكري الخارجي، ثم استعان الحكام الجدد بمؤسسات وخبرات صينية لتوطيد سلطتهم، في الحالتين، لا نجد انتصاراً بسيطاً للبدائية على الحضارة، لكننا نرى كيف يمكن للانقسام الداخلي أن يحول قوة خارجية إلى عامل حاسم في تغيير مصير دولة كبيرة.
قد يبدو العدو هو الذي أسقط الدولة، لكن الطريق إلى السقوط ربما بدأ حين ضعفت قدرتها على إدارة مواردها، أو حين استنزفت صراعات السلطة طاقتها، أو حين أصبحت المحافظة على امتيازات النخب أهم من المحافظة على تماسك المجتمع.
إن الحضارات لا تسقط دائماً لأن خصومها أذكى منها، لكنها قد تسقط لأن مؤسساتها لم تعد قادرة على تحويل مواردها إلى قوة متماسكة.
النورمان وإنجلترا: القوة البدائية قد تصنع نصراً مؤقتاً لكنها تظل عاجزةً عن إدارة دولة
تكشف تجربة النورمان في إنجلترا عام 1066م وجهاً آخر للمسألة. فقد انتصر وليام النورماندي في معركة هاستينغز، وفتح إنجلترا، لكن انتصاره لم يكن مواجهة بين حضارة متقدمة وجماعة بلا تنظيم؛ فقد امتلك النورمان تقاليد عسكرية وسياسية، كما امتلك الإنجليز مملكة ومؤسسات وجيشاً، لم يكن النصر شهادة على تفوق المنتصر في كل ميادين الحياة، لكن نتيجة صراع محدد حسمته القيادة والظروف السياسية والقدرة على الحشد والقتال، والأهم أن الانتصار في المعركة شيء، وإدارة البلاد التي تم الاستيلاء عليها شيء آخر، فالقوة تستطيع أن تفتح الأبواب، لكنها تحتاج إلى الإدارة والمؤسسات والمعرفة كي تستمر في الحكم.
وهنا تتكشف حدود الفكرة القائلة إن المنتصر هو الأكثر تقدماً بالضرورة. فلو كان النصر العسكري معياراً مطلقاً للتفوق الحضاري، لوجب علينا أن نعدّ كل غازٍ أرقى من كل من غزاه، وهو استنتاج لا يصمد أمام أبسط قراءة للتاريخ.
إن الحرب تكشف القدرة على استخدام القوة في ظروف معينة، لكنها لا تحسم وحدها قيمة الفنون أو الفلسفة أو القانون أو التجربة الإنسانية.
الغرب الحديث: حين تحولت المعرفة إلى قوة
هنا نصل إلى السؤال الذي يمنح هذه المفارقات التاريخية معناها السياسي المعاصر: كيف استطاعت دول حديثة أن تحول المعرفة العلمية إلى قوة صناعية وعسكرية هائلة؟
ارتبط جانب مهم من التراث الفكري الغربي بالفلسفة اليونانية، ثم شهدت أوروبا تحولات واسعة مع الثورة العلمية والتنوير والثورة الصناعية، لكن هذه التحولات مثلما كانت انتقال من التأمل الفلسفي إلى اختراع السلاح، أيضاً كانت تحولاً في العلاقة بين المعرفة والإنتاج والدولة، أسهمت الرياضيات والهندسة في تطوير الملاحة والمدفعية والتحصينات، وأتاحت علوم المواد والكيمياء تقنيات صناعية وعسكرية جديدة. ثم جاءت السكك الحديدية والاتصالات والإنتاج واسع النطاق لتغير قدرة الدول على نقل الجيوش وإمدادها وتعبئة مواردها، ولم تكن القوة ناتجة عن الاختراعات وحدها، لكن عن المؤسسات التي استطاعت تمويلها وتطويرها وتوظيفها. فقد ارتبط التفوق العسكري الحديث، في مراحل مختلفة، بقدرة الدولة على جمع الضرائب، وتنظيم الصناعة، وإدارة الجيوش، وتعبئة الموارد البشرية.
وفي العصر الحديث، اتسعت الصلة بين الجامعات والمختبرات والصناعات والحكومات والمؤسسات العسكرية. وقد حذّر الرئيس الأمريكي دوايت أيزنهاور في خطابه الوداعي عام 1961 من تنامي نفوذ ما سماه (المجمّع الصناعي العسكري)، لكن ينبغي ألا نستنتج أن الغرب صنع حضارته بالفلسفة وحدها ثم تخلى عنها لمصلحة السلاح. فنهضته ارتبطت أيضاً بالتجارة، والاستعمار، والتنافس بين الدول، وتطور المؤسسات والاقتصاد والصناعة، كما استفادت من تراكم معرفي شاركت فيه حضارات متعددة، ومنها الحضارة الإسلامية والصينية.
المهم هنا ليس الادعاء بأن الغرب اكتشف القوة، ولكن فهم كيف استطاعت بعض دوله أن تربط المعرفة بالقدرة الإنتاجية والتنظيم العسكري ومؤسسات الدولة، لقد أصبح العلم، في جانب من مسار الحداثة، أكثر من وسيلة لفهم العالم؛ أصبح وسيلة لتغييره، والسيطرة على موارده، والتنافس على القوة داخله، وهنا يبرز سؤال أخلاقي لا يقل أهمية عن السؤال السياسي: حين يتحول العلم إلى أداة للتدمير، هل يكون قد أدى وظيفته الحضارية، أم انقلب على الغاية الإنسانية التي يفترض أن تخدمها المعرفة؟
الحضارة ليست درعاً أبدية
ربما تكمن إحدى مشكلات المجتمعات المزدهرة في اعتقادها أن منجزاتها تمنحها حصانة من التاريخ، لكن لا المسرح يحمي المدينة لأنه جميل، ولا الفلسفة تمنع الحصار لأنها عميقة، ولا المكتبات تصد الجيوش لأنها عامرة بالمعرفة، تحتاج الحضارة إلى مؤسسات سياسية قادرة على اتخاذ القرارات، واقتصاد يوفر الموارد، ودفاع منظم، وتماسك اجتماعي لا يقوم على القهر الدائم، وقيادة تستطيع الموازنة بين استخدام القوة وتجنب الحروب التي تستنزف المجتمع.
غير أن القوة وحدها ليست ضماناً أبدياً للبقاء. فإسبرطة التي هزمت أثينا لم تحتفظ بهيمنتها إلى الأبد، والمغول الذين أسقطوا بغداد لم ينهوا الحضارة الإسلامية، وروما التي فقدت إمبراطوريتها الغربية بقي إرثها القانوني والسياسي حاضراً في عصور لاحقة، ذلك أن الحضارة أوسع من الدولة، وأطول عمراً من المعركة. قد تسقط سلطة وتبقى لغتها ومعارفها، وقد ينتصر جيش ثم يتبنى مؤسسات خصمه، وقد تتغير موازين القوة بينما تواصل الأفكار رحلتها عبر الحدود والأجيال، وليس المطلوب من الحضارة أن تتخلى عن أخلاقها كي تحمي نفسها، أو أن تصبح نسخة من خصومها. المطلوب أن تدرك أن المعرفة تحتاج إلى مؤسسات تحميها، وأن القوة تحتاج إلى عقل يضبطها، وأن الدولة التي تهمل أمنها قد تفقد القدرة على صون منجزاتها، بينما الدولة التي تجعل القوة غايتها الوحيدة قد تفقد المعنى الذي يمنح وجودها قيمة.
من يحمي العقل من السيف؟
ليست حكاية التاريخ، في جوهرها، انتصاراً دائماً للبدائية على الحضارة، لكنها تبدو كتذكير بأن التقدم الفكري لا يتحول تلقائياً إلى تفوق سياسي أو عسكري، قد ينتصر السيف حين تعجز الدولة عن حماية منجزاتها، وقد تسقط مدينة عظيمة بسبب أخطاء قادتها أو انقسامات مجتمعها أو تفوق خصمها في ميدان محدد، لكن النصر العسكري لا يجعل المنتصر أرقى إنسانياً، كما أن الهزيمة لا تمحو قيمة ما أنتجه المهزوم من معرفة وفن وفكر، إن الحضارة التي لا تبني القدرة على حماية مؤسساتها قد تجد نفسها عاجزة عن الدفاع عن شروط وجودها، والحضارة التي تجعل القوة غايتها الوحيدة قد تنجح في إخضاع الآخرين، لكنها تخاطر بفقدان الغاية التي تبرر قوتها، ولعل المفارقة الأعمق ليست أن السيف يهزم العقل، لكن هل إن الإنسان يستطيع أن يبلغ من المعرفة ما يمكّنه من فهم العالم، ثم يعجز عن تنظيم نفسه بما يكفي لحماية ما بناه فيه.
قد يهزم السيف العقل حين يعجز عن حماية نفسه، لكن السيف الذي يستغني عن العقل لا يبني حضارة؛ إنه يؤجل لحظة الخراب فحسب.