حين تُحاصر المدن من الخارج.. لا تتركوا أبوابها مفتوحة من الداخل

يمنات
أسامة الأصبحي
في الحروب لا تسقط المدن دائما من بواباتها الكبيرة، بل قد يبدأ سقوطها من ثغرة صغيرة تركها الإهمال، أو معلومة تسربت في الوقت الخطأ، أو خلية نامت طويلا ثم استيقظت عندما احتاجتها الحرب.
واليمن اليوم ليس أمام معركة عسكرية فقط، بل أمام معركة مفتوحة على كل الجبهات، جبهات القتال والاقتصاد، والإعلام والمعلومات، والتهريب والأمن الداخلي.
وما يجري في تعز، وما يرافقه من حصار وتصعيد ونزوح ومعاناة إنسانية، يؤكد أن الحرب لم تعد بعيدة عن حياة الناس اليومية، وأن أمن المدن الواقعة في مناطق الشرعية لم يعد شأنا أمنيا محضا، بل أصبح جزءا من معركة بقاء الدولة والمجتمع.
وفي الأيام الأخيرة، أعلنت وزارة الداخلية ضبط خلايا وتحركات قالت إنها مرتبطة بالحوثيين، ورصد محاولات لجمع المعلومات والاستقطاب والتهريب والتخطيط لأعمال تستهدف أمن المحافظات المحررة، كما أعلنت السلطات تشديد الرقابة على منافذ الدخول ومواجهة شبكات التهريب.
وهنا يجب أن نقولها بوضوح:
تشديد الإجراءات الأمنية في زمن الحرب ليس شيئا عاديا ، ولا استهدافا للمواطن، ولا تضييقا على الناس بل قد يكون ضرورة لحماية الناس أنفسهم.
لكن الأمن الحقيقي ليس في كثرة الحواجز وحدها، ولا في التفتيش العشوائي، ولا في الاشتباه بالجميع.
الأمن الحقيقي هو معلومة دقيقة وجهاز يقظ، ورجل أمن محترف وقانون محترم، وقضاء حاضر، ومواطن يعرف أن حماية وطنه تبدأ من رفض أن يكون أداة في يد من يريد تخريب وطنه.
فالمواطن ليس خصما للأجهزة الأمنية.
المواطن هو عينها الأولى وسندها الأول.
قد يرى المواطن ما لا تراه الكاميرات، ويسمع ما لا يصل إلى غرف العمليات، ويلاحظ حركة أو سلوكا أو محاولة استقطاب قد تبدو عابرة، لكنها في حسابات الحرب قد تكون خيطا يقود إلى شبكة كاملة.
ولهذا فإن الأمن مسؤولية الجميع.
مسؤولية الدولة حين تحمي حدودها ومنافذها ومدنها.
ومسؤولية الأجهزة الأمنية حين تعمل باحتراف بعيدا عن العشوائية والابتزاز والتصفية.
ومسؤولية القضاء حين يضمن أن تتحول الأدلة إلى عدالة، لا أن تتحول الشبهات إلى عقوبات.
ومسؤولية المواطن حين لا يتستر على جريمة، ولا يمرر معلومة مشبوهة، ولا يؤوي مطلوبا، ولا يسمح بتحويل منزله أو هاتفه أو مركبته إلى وسيلة لخدمة الحرب.
وفي المقابل، يجب أن نتذكر أن النازح الذي يفر من الموت ليس متهما حتى تثبت براءته، وأن القادم إلى مدينة آمنة بحثا عن الأمان يجب أن يُعامل بكرامة وإنسانية، مع اتخاذ الإجراءات القانونية التي تحمي المجتمع دون ظلم الأبرياء.
هذه معادلة دقيقة لا تحتمل العبث:
نحمي الأمن دون أن نقتل الثقة، ونشدد الرقابة دون أن نجرم الناس، ونلاحق الخلايا دون أن نفتح بابا للفوضى أو الانتقام.
فالحرب لا تحتاج إلى أجهزة أمنية قوية فقط، بل تحتاج إلى دولة قوية وعادلة.
واليمنيون الذين عاشوا سنوات طويلة تحت الخوف والحصار والقتل والنزوح، لا يريدون أن تستبدل فوضى الحرب بفوضى أخرى، ولا يريدون أن تصبح نقاط التفتيش مصدر خوف جديد.
إنهم يريدون دولة تعرف عدوها، وتحمي مواطنها، وتفرق بين الخطر والإنسان، وبين الجريمة والاشتباه، وبين الواجب الأمني والتجاوز.
اليوم، وبينما تتعرض مدن يمنية للضغط العسكري والحصار، وتتحرك موجات النزوح بحثا عن مكان أكثر أمانًا، فإن أخطر ما يمكن أن نفعله هو أن نستهين بالجبهة الداخلية.
الجبهة التي لا تحميها العيون من الداخل، قد يهزمها اختراق واحد.
ولهذا فإن المعركة ليست فقط في الجبل والساحل والخندق.
المعركة أيضا في الشارع، وفي الميناء، وفي الطريق، وفي المعلومة، وفي الهاتف، وفي الحدود، وفي كل مكان يمكن أن تتسلل منه يد تريد أن تعبث بأمن الناس.
فلنكن جميعًا شركاء في حماية وطننا.
لا للشائعات ، لا للتستر على الخلايا ، لا للتهريب ،لا لتسريب المعلومات ، ولا لتحويل الأمن إلى خصومة مع المواطن.
نريد أمنًا يحمي الناس، لا يخيفهم.
وما يجري في تعز، وما يرافقه من حصار وتصعيد ونزوح ومعاناة إنسانية، يؤكد أن الحرب لم تعد بعيدة عن حياة الناس اليومية، وأن أمن المدن الواقعة في مناطق الشرعية لم يعد شأنا أمنيا محضا، بل أصبح جزءا من معركة بقاء الدولة والمجتمع.
لذلك نريد قانونا يردع المجرم، لا يظلم البريء.
ونريد دولة تستطيع أن تغلق أبوابها أمام الخلايا والمتسللين، بينما تفتح أبوابها للنازح والمظلوم وطالب الأمان.
ففي زمن الحرب، قد تكون رصاصة واحدة في الجبهة، لكن معلومة واحدة في الداخل قد تفتح ثغرة كاملة.
ولهذا:
احموا جبهتكم الداخلية قبل أن تبحثوا عن النصر في الجبهة الخارجية.
الأمن مسؤولية الجميع، وحماية الجبهة الداخلية معركة لا تقل أهمية عن معركة الجبهات والوطن لا يحميه رجل الأمن وحده، بل يحميه مجتمع كامل يعرف أن صمته أمام الخطر قد يكون شريكا في صناعته.