حين تعثّر الشوق في دمشق

يمنات
عدنان الدوسري*
كانت ليلة شتائية في دمشق، والمطر يغسل حجارة أزقتها العتيقة، والريح تتسلل بين بيوت الشام، حاملة رائحة الياسمين المبلل. كانت الساعة قد تجاوزت منتصف الليل، وكنت أمشي في أحد أزقة باب توما، تتعثر قدماي بحجارته الزلقة. لم أحمل مظلة، ولم أخشَ برد كانون، فقد كان الشوق إليها أشد وطأة من عواصف الشتاء.
قبل ساعات، كنا قد تشاجرنا، فقالت بصوت يختنق بالعتاب:
– إذا بتحبني، ليش بتخليني ناطرتك كل هالوقت؟
أجبتها بعناد بغدادي:
– ولك لو تعرفين شگد أحبج، چان ما عاتبتيني على كل غيبة!
قالت بحزن:
– أنا مو عم عاتبك لأنك غبت، عم عاتبك لأنك ما حسيت بغيابك عني.
أنهيت المكالمة غاضبًا، لكن قلبي ظل معلقًا بصوتها، حتى وجدت قدمي تقودانني إلى بيتها.
وصلت إلى باب بيتها الدمشقي، واتصلت بها.
– ألو…
– مشتاقلج.
– وينك بهالوقت؟
– يم باب بيتكم.
– شو؟ إنت مجنون؟ بهالبرد والمطر؟
ضحكت وقلت:
– إي مجنون، وشسوي؟ «ظلمة ودرب عاثور، ليلة شتا وغت… روحي اشتهت ملگاج، عتتني إلج عت».
استحضرت كلمات أغنية للمطرب العراقي رياض أحمد، ولا أدري إن كانت قد فهمت ما قلته، أم أن الشوق ترجم لها ما عجزت عنه اللهجة البغدادية.
ساد صمت قصير، ثم سمعت صوت المزلاج، وانفتح الباب. وقفت أمامي ملتفة بشالها الصوفي، وفي عينيها عتاب ودمعتان لم تسقطا بعد.
– ليش جيت؟ مو قلتلك ما بدي شوفك الليلة؟
– ولك شلون تريديني أنام وإنت زعلانة مني؟ آني أتحمل برد الشام كله، بس دمعتج ما أتحملها.
أمسكت يدي المرتجفة وقالت:
– يا روحي، إيديك متل التلج! فوت لجوا، عملتلك شاي عراقي.
ابتسمت وسألتها:
– يعني چنتي ناطرتني؟
قالت وهي تخفي ابتسامتها:
– لا تفكر حالك مهم لهالدرجة!
دخلت، وكانت على الطاولة استكانتان من الشاي، وإلى جوارهما غصن ياسمين وبعض أوراق النعناع.
أشرت إلى الاستكانة الثانية:
– ولك هاي لمنو؟ لا تگولين هم تشربين چاي مرتين!
ضحكت وقالت:
– لواحد عراقي عنيد، كل ما بقله لا تجي، بيجي وبيعمل حاله بطل!
جلسنا نضحك ونتعاتب، حتى ذاب الزعل كما يذوب السكر في الشاي، وعاد الدفء إلى قلبين كاد العناد أن يفرقهما. وحين هممت بالمغادرة، أمسكت بطرف معطفي وهمست:
– بتعرف شو أكتر شي بخاف منه؟
– شنو يا بعد روحي؟
– بخاف يجي يوم تتعثر بالطريق وما توصل لعندي.
قبّلت يدها وقلت:
– ولك لو كل دروب الدنيا عاثور، أظل أجيج، حتى لو أمشي من بغداد للشام على رجلي.
ابتسمت، وأسندت رأسها إلى كتفي، وهمست:
– الله لا يحرمني منك يا عيوني.
ومضت خمسة أعوام…
فرّقتنا الحرب، وتباعدت بنا الطرق، حتى عدت إلى دمشق في ليلة شتائية تشبه تلك الليلة. سرت في الزقاق نفسه، لكن الباب كان موصدًا، والياسمينة التي كانت تعانق النافذة قد ذبلت، أما هي، فقد رحلت عن الدنيا في غيابي.
وقفت تحت المطر، أتحسس خشب الباب الذي طالما فتحته لي، وأستعيد صوتها وضحكتها ورائحة الشاي العراقي الذي كانت تعدّه من أجلي. طرقت الباب، مع علمي أن أحدًا لن يجيب. ثم همست بصوت مكسور:
– هالمرة يا بعد روحي، وصلت… بس إنت اللي ما فتحتيلي الباب.
أدركت يومها أن دروب الشام لم تكن عاثورًا كما ظننت، بل كان العاثور الحقيقي في طريق العمر، حين أخذت الحرب مني المرأة التي كنت أقطع كل تلك الطرق لأصل إليها. ففي تلك الليلة تعثرت قدماي بحجارة دمشق، أما اليوم فقد تعثر قلبي بغيابها، ولم ينهض.
* كاتب وروائي من العراق