حين يصبح السجن ملجأً… وتغدو الحرية عبئًا!

يمنات
عبدالوهاب قطران
حكى لنا اليوم أخي عارف حكايات عجيبة غريبة عن بعض السجناء الذين عرفهم في سجن سنحان أو في استخبارات الشرطة. حكايات تصل حدّ العبث، لكنها في جوهرها مرايا صادقة لبؤسٍ لا يُحتمل.
منهم من “يلتذع له فيوز”، فينهض فجأة “يسنب” أمام الكاميرا، يشتم الحwثة ويمدح عفاش والسعودية، والسجّانون يدركون أنه “قد التذع”، فيضحكون عليه ويتركونه وشأنه. مشاهد عبثية تُضحك من شدّة مرارتها، لكن ما رواه عارف بعدها كان أشد إيلامًا، وأكثر فجيعة.
حدّثنا عن سجناء، من شدّة عوزهم وبؤسهم، كانوا فرحين بالسجن، لا يريدون مغادرته قيد أنملة. نعم، فرحين! عرفهم عارف عن قرب، وعاش تفاصيل حكاياتهم داخل الزنازين.
الأول في سجن سنحان. أُخرج للتحقيق، ثم أعادوه وقد تقرر الإفراج عنه. فجأة، انفجر الرجل بالبكاء، يصيح ويتوسّل عارفًا أن يتوسّط له عند السجّانين ألا يفرجوا عنه. قالها بوضوح موجع:
“يا قطران يا منعاه، كلمهم لا يخرجوني… خلّوني في السجن. هنا نعمة: أكل بلاش، وسكن بلاش.”
ضحكنا جميعًا، نحن المخزنين، ضحكة بقهقة عالية في ذروة “الخدارة”… ضحكة بلا وعي، قبل أن ننتبه أن ما نضحك عليه فاجعة كاملة توجع القلب.
فالطبيعي أن يسعى الإنسان بكل الوساطات ليخرج من السجن، لا أن يتوسّل ليبقى فيه!
وأضاف عارف: في سجن سنحان، كان أهل سنحان كرامًا كرمًا حاتميًا؛ يرسلون للسجن طعامًا طيبًا: هريش، وسمن، ولحوم. فقال السجين ببراءة موجعة:
“وصلت خير… حرافي الوكيل الله، أجلس هنيه ما أخرج افعل!”
قلت له مذهولًا: غير معقول!
وفجأة قفزت إلى ذهني ذكرى قديمة، من قراءاتي قبل نحو عشرين عامًا لإحدى روايات الأديب العالمي نجيب محفوظ. (وبالمناسبة، ليست “فَشْرة”؛ قرأت أعمال محفوظ التي تزيد على خمسين رواية وقصة، مرتين وثلاثًا، وما تزال تملأ مكتبتي).
تذكّرت قصة أوردها محفوظ عن لقاء جمعه بزميل دراسة قديم، فوجئ أنه أصبح ضابطًا ومدير قسم شرطة. رأى محفوظ كيف كان يتعامل الضابط بغلظة وقسوة مع أحد السجناء، فاستنكر عليه ذلك. فردّ الضابط بجملة صادمة:
“أنت عايش في عالم الأحلام يا أستاذ. ألا تعلم أن بعضهم نفرج عنه، وفي اليوم التالي يعود مختلقًا أي خناقة ليعود إلى السجن؟ لأنه يجد في السجن سكنًا وأكلًا مجانيين، بدل التشرد في الشوارع والجوع.”
كتب محفوظ أنه صُدم يومها، ولم يكن يتخيّل أن يصل البؤس بأبناء شعبه إلى حدّ أن يفرح مواطن بالسجن.
وها هو المشهد ذاته يتكرر أمامنا، بلا رتوش ولا مبالغة.
وسجين آخر في استخبارات الشرطة، كان يتمنى لو يجد من يدفع له ليُحتبس بدلًا عنه!
هنا لا يعود السجن عقوبة، بل يتحوّل إلى ملجأ.
ولا تعود الحرية نعمة، بل تصير عبئًا ثقيلًا على أكتاف من طحنهم الفقر، وسحقهم العوز، وأفقدهم الواقع القاسي أي معنى للأمل خارج الأسوار.
حينها فقط ندرك أن المأساة ليست في السجن…
بل في وطنٍ صار خارجه أشد قسوة من الزنزانة.