أدب وفن

أبواب لا تُغلق

يمنات

زاهر الأسعد ـ فلسطين

لا يولد الضوء من فراغ

بل من احتراق يترك في الروح أثرًا

ومن رماد يظن نفسه موتًا

فتخرج منه بذرة تتشبّث الحياة

كأنّ الألم يفتح أبوابًا لا تُحصى

ويحيط بالإنسان من كل الجهات

الألم ليس غيمة عابرة

بل سرّ يتخفّى في العيون

يرتجف في العظام

ويترك في القلب ندبة لا تُرى

إلا حين يشتعل الليل

كأنه يكتب على الجسد تاريخًا آخر

ويترك في الروح أثرًا لا يمحوه الزمن

هل يولد الإنسان مرتين

مرة من رحم الأم

ومرة من رحم الجرح

الحياة ليست ميلادًا واحدًا

بل سلسلة ولادات من النار والرماد

ومن كل سقوط يولد معنى جديد

الجرح شق في جدار قديم

تطل منه أسرار لا تفصح عنها الكلمات

لكنها تضيء الطريق لمن يجرؤ على العبور

كأنّ الألم نافذة على سر لا يُدرك إلا بالاحتراق

ندبة تهمس بلا صوت

دمعة تتحوّل إلى نهر بعيد

صرخة تنكسر كمرآة

غيمة تحمل مطرًا لا يصل

طفولة ضائعة تبحث عن بيت

يد ترتجف وهي تفتح نافذة صغيرة

رغيف خبز يذكّر ببساطة الحياة

وساعة رمل تنسكب ببطء

لتعلّمنا أن الزمن لا يرحم

وظل طائر يعبر السماء

ليذكّر أن الحرية لا تُمسك باليد

وصدى خطوات في ممر بعيد

يذكّر أن الغياب وجه آخر للحضور

ورائحة المطر حين يلامس التراب

تذكّر أن الأرض تحفظ ذاكرة الدموع

في لحظة الاحتراق

يتحوّل الصمت إلى لغة

والعتمة إلى مرآة

والجراح إلى حدائق تزهر في غير أوانها

كأنّ الألم يخلق جمالًا غير متوقَّع

ويفتح أبوابًا لم يكن أحد يظنّ أنها موجودة

ألم صامت

شرارة

ثم نهار جديد

يمشي الإنسان في طريق بلا نهاية

يحمل شعلة في يده

وبستان في قلبه

ووعد في عينيه

أن كل جرح سيثمر

وكل احتراق سيضيء

وكل دمعة ستتحوّل إلى نهر

يغنّي الأرض بالحياة

أيها العابرون

أيها الباحثون عن معنى في الرماد

أضع أمامكم مرآة أكتبها

ترون فيها وجوهكم حين تحترق

وتكتشفون أن الألم طريق

وأنّ الجرح بداية أخرى

وهكذا ينغلق الكلام كما تنغلق دائرة النار

لكنه يفتح أبوابًا لا تُغلق

أبوابًا للرؤيا

أبوابًا للحياة

وأبوابًا لرحلة تبدأ من الجرح وتنتهي بالضياء

أترك صوتي شاهدًا

لا لأشرح بل لأشهد أنني عبرت هذه النار قبلكم

وأنّ ما كتبتُه ليس زينة للورق

بل رماد يتوهّج في داخلي

أردت أن يتحوّل إلى ضوء

كي لا يبقى الألم صامتًا

ولا يبقى الإنسان وحيدًا في عتمته

زر الذهاب إلى الأعلى