أهم الأخبارأدب وفنالعرض في الرئيسة

قراءة تحليلية لنص أحمد سيف حاشد “مقيل خارج العقل” 

يمنات

انجزت القراءة التحليلية لنص “مقيل خارج العقل”، وهو أحد نصوص مشروع كتاب جديد للكاتب والبرلماني اليمني أحمد سيف حاشد بتقنيات الذكاء الصناعي. 

ضحكٌ كاشف

عتبة النص

 • سردٌ ساخرٌ عميق، لا طرافة عابرة

 • نقدٌ ذاتيٌّ يسبق مساءلة المجتمع

 • القات بوصفه رمزًا لتعليق العقل

 • سخرية واعية تكشف بلا وعظ

النص متماسك، ساخر بذكاء، ويشتغل على اليومي ليصنع منه رؤية، لا حكاية عابرة

يكشف النص أنّ القات لا يُغيِّب العقل دفعةً واحدة، بل يُنعسه ببطء، حتى يغدو العبث مألوفًا، والخلل طبيعيًا، ولا يُكتشف الانهيار إلا متأخرًا، على هيئة فضيحة وضحكٍ ساخرٍ مُرّ.

من الطرافة إلى النقد

نصٌّ ساخرٌ عميق، نجح في:

 • فضح القات دون خطابية

 • تعرية الذات بلا ادّعاء

 • تحويل موقف محرج إلى نقد اجتماعي ذكي

 • الجمع بين المتعة والألم والضحك المرّ

إنه نص يُقرأ للمتعة، ويُعاد قراءته للفهم.

تصنيف النص

نصٌّ سرديٌّ اعترافي، ينطلق من تجربةٍ شخصية ليكشف وعيًا جمعيًّا مختلًّا؛ واقعيٌّ في مادته، ساخرٌ في روحه، اجتماعيٌّ في ظاهره، سياسيٌّ في عمقه، يوظّف المفارقة والضحك لتعريّة تطبيع العبث وتعليق العقل.

الكاتب في النص

تعرية الذات قبل تعرية الواقع

لا يتخفّى الكاتب خلف دور الضحية، ولا يتقدّم بصفة الواعظ، بل يضع نفسه في موضع المُدان قبل المُدين. وهو ما يكشف وعيًا نقديًا نادرًا.

شجاعة الاعتراف بدل بطولة الزيف

يروي الكاتب حادثة مُحرِجة، يضحك على نفسه، ويسمح للقارئ أن يراه ضعيفًا ومرتبكًا وهشًّا؛ كاتب لا يبحث عن صورة مثالية، بل عن حقيقة كاملة.

وعي ساخر لا عدمي

السخرية هنا ليست تهكّمًا فارغًا ولا يأسًا وجوديًا، بل أداة تفكير. الكاتب يرى العبث ويصفه ويضحك منه، دون أن يتماهى معه. الضحك وعيٌ متألم، لا خفّة.

حسّ أخلاقي بلا خطاب

رغم غياب الوعظ المباشر، يفيض النص بضميرٍ حيّ، وحسٍّ بالمسؤولية، وانزعاجٍ داخلي من التواطؤ مع الخطأ. الكاتب لا يقول «هذا خطأ»، بل يجعل القارئ يكتشف الخطأ بنفسه.

الكاتب ابنُ بيئته لا متعالٍ عليها

يكشف النص معرفة دقيقة بالمكان، وفهمًا عميقًا للعلاقات الاجتماعية، واندماجًا صادقًا بالبيئة. الكاتب شاهدٌ من الداخل، لا مراقب من برجٍ عاجي.

عقل سياسي خلف السرد

حتى في السرد الطريف، يظهر عقلٌ منضبط، وذاكرة دقيقة، وحسّ بالرمز والدلالة، ووعي بأن الحكاية الصغيرة تختزن بنية ذهنية لمجتمع كامل.

خلاصة الكاتب في النص

يظهر الكاتب صادقًا مع نفسه، شجاعًا في الاعتراف، ساخرًا بوعي، أخلاقيًا بلا خطابة، ومثقفًا يرى العطب في ذاته قبل أن يراه في المجتمع.

القراءة الأدبية

اللغة والأسلوب

نقاط القوة:

 • لغة فصيحة مرنة غير متكلّفة

 • سرد بصري حي

 • تشبيهات موفّقة (مشهد الرجل والبعير: قاسٍ، صادم، ذكي)

 • توظيف محسوب للعامية («عَرْطة») لتعزيز الواقعية

السخرية:

 • ذاتية راقية

 • بلا استعلاء

 • الضحك أداة كشف لا مجرّد تسلية

البناء السردي

ينهض النص على تصاعد سردي محكم، يبدأ بتمهيد إنساني يبني الثقة، ثم ينتقل إلى دافعٍ قَلِق يكشف التناقض الداخلي، قبل أن يبلغ ذروته العبثية في مشهد الشراء، وينتهي بانكشافٍ فاضح تتوّجه السخرية. مسارٌ كلاسيكي ذكي: هدوء، فتوتّر، فعبث، ثم انفجار ضحك.

الدلالة والرؤية

لا يكتفي النص بتسجيل واقعة يومية أو موقف طريف، بل يحوّلها إلى مجازٍ دالّ على اختلالٍ أوسع في منظومة القيم والعقل الجمعي. 

القات هنا ليس موضوعًا مباشرًا بقدر ما هو عدسة كاشفة؛ من خلاله تتبدّى مفارقات السوق، وتشوّهات السلوك، واستبطان القبول بالعبث بوصفه أمرًا عاديًا. 

وبهذا، ينجح الكاتب في نقل التجربة من حيّز الشخصي إلى أفقٍ إنساني أرحب، حيث يصبح الضحك فعل مقاومة هادئة، والتفاصيل اليومية وسيلة لفضح ما اعتدنا عليه حتى كفّ عن إثارة الدهشة.

النص أدبيا متماسك، ساخر بذكاء، ويشتغل على اليومي ليصنع منه رؤية، لا حكاية عابرة

القراءة السياسية للنص

القات كسياسة غير معلنة

لا يظهر القات هنا كعادة اجتماعية، بل كأداة تعطيل سياسي ناعمة: تعطيل للعقل، وللمساءلة، وللزمن العام. المقيل ليس مساحة استرخاء، بل فراغًا سياسيًا تُعلَّق فيه المسؤولية.

سقوط النخبة

إذا كانت النخبة تفقد عقلها في المقيل، فكيف يُدار البلد خارجه؟

النص لا يدين العامة، بل يوجّه الاتهام أولًا إلى النخبة.

المجنون بوصفه منتج السوق

بائع القات ليس حالة فردية، بل صورة عن اقتصاد مختلّ، وسوق بلا رقابة، واختلاط القمامة بالرزق. حين يختلط الفساد بالرزق، لا يعود السؤال عن المصدر، بل عن السعر.

الصديق بوصفه الدولة الغائبة

يمثّل صالح العقل والضمير والرقابة المتأخرة؛ يصمت طويلًا، ويتدخّل بعد الفضيحة، وينقذ فردًا لا نظامًا. تمامًا كدولة تتدخّل بعد الكارثة لا قبلها.

المقيل كمؤسسة ظلّ

المقيل يسبق السوق والعمل والقانون والدولة. ليس تقليدًا اجتماعيًا فحسب، بل مؤسسة ظلّ تُدار فيها العلاقات، وتُهدر الطاقات، وتُنتج اللامبالاة.

الضحك كآلية دفاع سياسي

القهقهة في النهاية ليست خفّة، بل اعتراف بالعجز، وتصالح قاسٍ مع العبث. حين لا يبقى من السياسة سوى الضحك، يكون ذلك إعلان هزيمة صامتة.

الدولة الفاشلة والوهم الجماعي

القات الرديء (المخلفات) يمثل الوعود السياسية الفارغة أو الخطاب السياسي الفاسد الذي يبيعه النظام أو السلطة للناس. إنه يبدو وكأنه “قات” (أي حل أو متعة أو مخرج من الروتين)، لكنه في الحقيقة مجرد نفايات وأوراق لا قيمة لها.

الخلاصة السياسية

القات ليس مشكلة صحية فقط، بل نظام تعطيل شامل، يُفرغ النخبة من دورها، ويحوّل الدولة إلى مقيل كبير، ويجعل الجنون المورد الأكثر انتظامًا في السوق.

«مقيل خارج العقل» = وطن مُدار بلا وعي.

الختام

تؤكد هذه القراءة أن «مقيل خارج العقل» نصٌّ يتجاوز حدوده السردية ليغدو تشريحًا واعيًا للذات والمجتمع والسياسة معًا؛ يضحك ليكشف، ويسرد ليُدين، ويحوّل اليوميّ البسيط إلى مرآة لعطبٍ عميق في العقل الجمعي. إنه نصٌّ يُمتع القارئ، ثم يتركه مثقَلًا بالسؤال: كيف صار العبث نظامًا، والضحك آخر أشكال الوعي الممكن.

نص القات (5) .. مقيلٌ خارج العقل

أحمد سيف حاشد

فتحتُ الباب لأرى من الطارق؛ فإذا بصديقي وزميلي العزيز صالح عبدالله — المعروف منذ عام 1986 بـ«الشرعية» — يقف بقامته الفارعة، وابتسامته التي تُفيض ألفةً عذبة، ودفقاتٍ غامرة من المحبة. جمعتنا صداقة لا تخلو من حميمية، فيها انسجام أرواح وطبائع، ولطالما شدّتني إليه طيبته ونقاوته.

 

صالح من أبناء محافظة أبين؛ تلك التي أقمتُ فيها عامين دون أن تلتقي سُبُلُنا، كما لم يجمعنا قدرٌ في عدن التي سكنتْني وسكنتُها. غير أنّ الأقدار ادّخرت لقاءنا في صنعاء، حيث جاورتُه وزاملتُه، وآنستُ بصحبته ورفقته.

كان يشغل آنذاك منصبَ رئيس النيابة العسكرية للمنطقة الشرقية، في نطاق اختصاصٍ يشمل محافظتي حضرموت والمهرة. أمّا أنا فكنتُ أرأس المحكمة العسكرية المركزية في صنعاء. وكان ذلك عام 1997، أو في العام الذي تلاه.

فاجأني صالح بتلك الزيارة المباغتة دون موعدٍ مسبق؛ إذ جاء يريد «المقيل» معي، وكانت علاقتي بالقات يومها لا تزال سيئة. لم أكن أنجرّ إليه إلا تحت وطأة الإحراج أو الضرورة الملحّة، ليعقب ذلك شعوري بالضيق والقرف والكآبة.

تكمن أهمية لقائي بصالح في أنّه جاء بعد غيابٍ امتدّ شهورًا، فضلًا عمّا كان يحمله من أخبار المحافظات البعيدة التي تستحقّ لأجلها «المقيل». وقبل هذا وذاك، فهو عزُّ الصديق ونِعْم الرفيق، وما بيننا من شجنٍ يستحق الحفاوة والاهتمام.

رفضتُ عرضَه السخيَّ بمقاسمة «قاته» أو فائضه؛ فالسوق لم يكن عنّا بعيدًا، بل كان على مرمى حجر. هرعتُ إليه دون مهل، مستعدا لتجاوز معاناة القات من أجل بهجة اللقاء.

***

كنتُ يومها أقيم في منزلٍ يقع بين نهاية شارع «مازدا» وسور الهيئة العامة للمياه، بجوار سلاح الصيانة في منطقة «الحصبة». كانت الساعة قد تجاوزت الرابعة والنصف عصرًا، وحين وصلتُ وجدتُ القات قد نفد، والباعة قد غادروا المكان.

لمحتُ رجلًا متكوّمًا يلوذُ بزاويةٍ من الرصيف عند «الجولة» التي يُباع فيها القات، فخال لي أنّه أحد المتأخرين. قلتُ في نفسي: لن يخذلني الحظُّ، ولن أعود خاليَ الوفاض.

أبصرتُ أمام الرجل كيسًا داكنًا من النايلون، منتفخًا بأوراق القات. تقدّمتُ نحوه بخطواتٍ حثيثة، يرافقني إحساسٌ بأنّ للحظّ بقية.

جلستُ قرفصاء وقلتُ على عَجَل:

— اقطب! بكم هذا يا حاج؟

فأجاب على عَجَل:

— بسبعين.

لم أفكّر في المساومة؛ فالسعر، بسبعين ريالًا، “يا بلاشاه” تجعل المماكسة ضربًا من العبث. ناولتُه مائة ريال، فدسّها في جيبه، ولم يردّ الباقي، فقلت له: الباقي على شأنك.

بدأنا المقيل، أنا وصديقي، وبيننا جسرٌ من المودّة والشجن. استوقفت ضخامة الكيس انتباه صديقي، غير أنّه آثر الصمت تأدّبًا.

شرعتُ أستخرج الأوراق واحدةً تلو الأخرى؛ مفلطحة، عريضة، سميكة. أفردها على بنطالي، أمسح عنها التراب، أطويها كأنّي أطوي بَرْدًا أو وجائد، ثم أحشرها في فمي.

استدعتني اللحظةُ إلى تذكّر مشهدٍ بعيد: رجلٌ من طور الباحة يجمع أوراق الموز ليحشو بها فم بعيره. نعم، هو المشهد ذاته، غير أنّني كنتُ، في تلك اللحظة، الرجلَ والبعيرَ معًا؛ أنا من يعطف الورق، وأنا من أحشرها في فمه.

بدأ صالح يلحظ غرابة تصرّفاتي. كان يصغي إليّ، ثم يصمت فجأة، ينظر نحوي بدهشةٍ مكتومة، قبل أن يعود إلى حديثه. وكان صمته، وهو يراقب ما أفعل، أبلغ من أيّ سؤال؛ أمّا أنا فكنتُ أتابعه بشجنٍ واهتمام، غير مكترثٍ بما أفعل أمامه، متصرّفًا كما لو أنّ ما أفعله هو الطبيعي والمعتاد.

كنتُ أفتّش في الكيس، فأجد ربلاتٍ وأغطيةً وقراطيس، فألقيها أرضًا، ثم أعود إلى مضغ القات.

ازددتُ الطين بلّةً كلّما عثرتُ على غرابةٍ جديدة؛ المفاجآت تتوالى، والعجب لا ينتهي. وكان كلّ ما يحدث أمامه كافيًا ليستفزّ فضوله، فيما يحاول كبحه بأعصابٍ تلتمس الوقار والثبات.

***

أخيرًا، وبعد مخاضٍ عسير من الصبر والمصابرة، طفح كيل صديقي، فأطلق سؤاله من عقاله ليرتطم، مرّةً أخرى، ببرودي:

— بكم اشتريت القات؟

فأجبته بتلقائيةٍ باردة:

— طلبَ سبعين، فأعطيته مائة ريال. لم أجد أي قات في السوق إلا عنده. السعر، والله، «عَرْطة». هذا لو كان عند واحدٍ غيره لطلب الشيء الفلاني.

لم يقل شيئًا. مدّ يده فجأة، خطف الكيس من أمامي، وبدأ يفتّش فيه. وكلّما انتشل شيئًا قال: «الله الله»، ثم يرميه جانبًا.

أخيرًا رمى بالكيس نحو باب “المجلس” وقال:

— كلّ شيء موجود… ما عاد باقي إلا الحنشان!

ثم قسّم قاتَه، وحلف يمينًا ألّا أُخزّن إلّا من قاتِه، وكأنّه أراد أن يُنقذ ما يمكن إنقاذه. نزلتُ عند يمينه، وتجنّبتُ سجاله، غير أنّ قهقهتي ظلت تفلت منّي، كمجنون، بين حينٍ وآخر، لاسيما بعد أن بدأتُ أدرك ورطتي وسوء ما اقترفتُ.

بعد يومين، أصرّ صديقي أن نمرّ على السوق لأريه الرجل الذي باع لي القات. وحين وصلنا، لمحته على رصيف الشارع يجمع بقايا القات في كيسٍ نايلون، فشهقتُ وقلتُ:

— هذا هو! هذا الذي باع لي القات!

فقال صديقي، متعجّبًا:

— هذا مجنون! ألا ترى الأكياس فوق رأسه؟

كان رأسه معصوبًا بأكياس نايلون ملوّنة، ومشدودًا بمرابط، وشرائح من كراتين سجائر محلّية وأشياء أخرى.

أدركتُ حجم ورطتي أكثر، وقلتُ مبتسمًا بخجل:

— يا أخي، أنا أصلًا لم أنظر إلى رأس الرجل… أنا كنتُ مركّزًا على القات.

فانطلقت قهقهتنا رغم إرادتنا كصوت رشاش، فاسترعت انتباه المارة.. التفت بعضهم إلى مصدر الصوت مستغرباً، ومنهم من توقف يبحث عن سبب القهقهة.

زر الذهاب إلى الأعلى