أدب وفن

الهوية بوصفها قدرًا سرديًّا.. العزلة واليوتوبيا في مائة عام من العزلة

يمنات

ربا رباعي/الاردن

تُعَدّ مسألةُ الهوية من أكثر المفاهيم التباسًا في الدرس النقدي المعاصر؛ إذ لا يمكن تناولها بوصفها معطًى ثابتًا أو جوهرًا مكتملًا، بل باعتبارها سيرورةً متوترةً تنشأ في المسافة الفاصلة بين ما تتصوّره الذات عن اكتمالها، وما يتيحه لها العالم من إمكاناتٍ محدودة. ومن هذا المنظور، تغدو الرواية الفضاءَ الأخصب لتمثيل هذه السيرورة، لأنّها لا تُشيّد هويةً جاهزة، بل تُسرِّدُ أزمة تكوّنها، وتحوّل النقص إلى مادةٍ تخييليةٍ وإشكالٍ جماليّ.

في هذا الأفق النظري يمكن قراءة رواية مائة عام من العزلة للكاتب الكولومبي غابرييل غارسيا ماركيز بوصفها مختبرًا سرديًا كثيفًا لتجلّي الهوية بوصفها جدلًا دائمًا بين نقص العالم وتطلّع الذات إلى تجاوزه، وبين أصلٍ متخيَّل ويوتوبيا مؤجَّلة، وبين تصوّرٍ أخلاقيٍّ للحياة وتحقّقاتٍ تاريخيةٍ تخونه باستمرار.

أولًا: تأطير نظري – الهوية السردية بين الحبكة والأنطولوجيا

يذهب بول ريكور في كتابه الذات عينها كآخر إلى أنّ الهوية السردية تتأسّس عبر الحبكة، لأنّ الحبكة تُعيد تنظيم الزمن وتمنح الأفعال وحدةً قابلةً للفهم، وبذلك “توفّق بين الثابت والمتغيّر في الشخصية” (ريكور، 1990). غير أنّ الاقتصار على هذا التصوّر قد يُفضي إلى ردّ الهوية إلى انتظامٍ شكليٍّ في الزمن، في حين أنّ الرواية الحديثة – ومنها رواية ماركيز – تكشف أنّ المسألة أعمق من مجرد تماسك سردي؛ إنّها تتعلّق بوعيٍ أنطولوجيٍّ بالنقص، يتجاوز انتظام الأفعال إلى مساءلة إمكان المعنى ذاته.

فالهوية السردية ليست نتاج “كلٍّ” مُنجَز، بل نتاج توتّرٍ بين كُلٍّ متخيَّل وكُلٍّ متعذّر. إنّها، بتعبيرٍ تحليليّ، بناءٌ رمزيٌّ يتشكّل عبر نفي ما يتحقّق، لا عبر تثبيته. ومن هنا يتقدّم مفهوم العجز بوصفه مبدأً مولّدًا للسرد، لا عرضًا طارئًا عليه. فالعالم الروائي ليس مكتملًا، والذات لا تجد فيه استجابةً كافيةً لتطلّعاتها؛ لذلك تُنتج الحكاية بوصفها محاولةً لإعادة ترتيب ما تراه متشظيًا.

ثانيًا: ماكوندو – تأسيس العالم على هشاشة الأصل

تبدأ الرواية بمشهدٍ صار علامةً على التداخل بين الذاكرة والزمن: «بعد سنواتٍ طويلة، وأمام فرقة الإعدام، كان على الكولونيل أوريليانو بوينديا أن يتذكّر تلك الظهيرة البعيدة التي أخذه فيها أبوه ليتعرّف إلى الثلج».

هذه الجملة الافتتاحية تكثّف البنية الزمنية للرواية: المستقبل يستدعي الماضي، والذاكرة تُؤسّس الحاضر، والموت يظلّل التذكّر. فالزمن هنا ليس خطيًّا، بل دائريٌّ أو حلزونيٌّ، يلتفّ على نفسه ويعيد إنتاج مصائره. وهذا البناء الزمنيّ يُفكّكُ فكرة التقدّم، ويجعل الهوية أسيرةَ تكرارٍ لا فكاك منه.

إنّ قرية “ماكوندو” في بدايتها تبدو فردوسًا بدائيًا: «كان العالم حديث العهد بحيث كانت الأشياء تفتقر إلى أسماء، ولكي يُشار إليها كان لا بدّ من الإشارة إليها بالأصابع».

غير أنّ هذا “الأصل” ليس اكتمالًا، بل طفولةٌ ساذجةٌ سرعان ما تنفتح على التاريخ والعنف والاستغلال. فدخول شركة الموز الأجنبية – في تمثيلٍ واضحٍ لاستعمار اقتصاديّ – يُحوّل المكان إلى مسرحٍ لمجزرةٍ تُمحى من الذاكرة الجماعية، وكأنّ العالم يُعيد إنتاج نقصه عبر النسيان.

بهذا المعنى، الأصل في الرواية ليس نقطة ارتكازٍ صلبة، بل لحظةً عابرةً يُعاد استدعاؤها بوصفها صورةً عن اكتمالٍ لم يتحقّق قطّ. إنّه “مجازٌ للكلّ”، لا حضورًا فعليًا له.

ثالثًا: سلالة بوينديا – الهوية كتكرارٍ مأزوم

تتعاقب أجيال عائلة بوينديا، وتتكرّر الأسماء (خوسيه أركاديو، أوريليانو)، كما تتكرّر الصفات: النزوع إلى العزلة، الهوس، العشق المستحيل، الثورة العبثية. غير أنّ هذا التكرار لا يُنتج تراكمًا معرفيًا أو أخلاقيًا، بل يُفضي إلى إعادة إنتاج المصير ذاته.

الكولونيل أوريليانو بوينديا يخوض اثنتين وثلاثين حربًا أهلية، ويخسرها جميعًا. إنّ الفعل الثوريّ هنا يتأسّس على تصوّرٍ أخلاقيٍّ للعدالة، لكنّ تحقّقاته التاريخية تنقلب إلى عبثٍ وعزلة. في إحدى اللحظات يقول: «الحياة ليست ما عشناها، بل ما نتذكّره وكيف نتذكّره لنرويها».

هذا القول يختزل جوهر الهوية السردية: الحياة لا تُدرك في ذاتها، بل عبر تمثيلها؛ والتمثيل لا يستعيدها كما كانت، بل يعيد تشكيلها وفق منظورٍ متأخّرٍ، مشوبٍ بالخيبة. وهكذا تغدو الهوية نتاجًا لسردٍ يعيد بناء التجربة بعد انكسارها.

رابعًا: العزلة – البنية الأنطولوجية للوجود
العزلة في الرواية ليست سمةً نفسيةً طارئة، بل هي قدرٌ أنطولوجيّ. فكلّ شخصيةٍ تنسحب إلى عالمها الخاص: خوسيه أركاديو بوينديا يعتزل في مختبره محاولًا اكتشاف أسرار الكون.

أمارانتا تنغلق على عذريتها القاتلة.
أوريليانو الثاني يضيع في لذّاته الفارغة.
إنّ كلّ محاولةٍ لبلوغ معنى أو اكتمالٍ تنتهي إلى مزيدٍ من الانغلاق. وكأنّ الرواية تُجسّدُ مقولةً مفادها أنّ العالم لا يمنح الذات ما يكفي لتتطابق مع ذاتها؛ ومن ثمّ تتكاثر صور الانفصال، ويتحوّل العجز إلى هويةٍ جمعية.

خامسًا: المخطوطات والنهاية – انكشاف وهم التأسيس

في خاتمة الرواية، يكتشف أوريليانو الأخير أنّ تاريخ العائلة كان مكتوبًا في مخطوطاتٍ قديمة، وأنّ قراءته لها هي في الوقت نفسه تحقيقٌ لنهايته. تنتهي الرواية بإبادة ماكوندو: «لأنّ الأجناس المحكومة بمائة عام من العزلة لا تُمنح فرصةً ثانية على الأرض».

هذه النهاية لا تُغلق الحبكة فحسب، بل تُغلق وهم الإمكان ذاته. فالهوية التي سعت الأجيال إلى تأسيسها تتكشّف بوصفها أثرًا لنصٍّ سابقٍ عليها، وكأنّ الذات لم تكن سوى قارئٍ متأخّرٍ لمصيرٍ مكتوب.

وهنا تبلغ المفارقة ذروتها: الذات التي ظنّت أنّها تُشيّد عالمها بالفعل، تكتشف أنّها جزءٌ من سردٍ مكتملٍ سلفًا. وبذلك تنقلب الحرية إلى وهمٍ سرديّ، ويغدو الاكتمال ضربًا من الاستحالة.

خاتمة تركيبية
تكشف مائة عام من العزلة أنّ الهوية السردية ليست بنيةً مكتملةً ولا جوهرًا قارًّا، بل حركةُ نفيٍ مستمرٍّ لما يتحقّق، ووعيٌ متزايدٌ بالفجوة بين التطلّع والواقع. إنّها نتاج جدلٍ لا يُحسم بين: أصلٍ متخيَّلٍ ويوتوبيا مؤجَّلة، تصوّرٍ أخلاقيٍّ للعالم وتحقّقاتٍ تاريخيةٍ تخونه،
إرادةِ معنى وزمنٍ دائريٍّ يُعيد إنتاج العجز.

وعليه، فإنّ الرواية لا تُقدّم نموذجًا لهويةٍ ناجزة، بل تُشيّد جماليتها من تسريد الفشل ذاته، وتحويل الخيبة إلى شكلٍ رمزيٍّ كثيف. إنّها، في جوهرها، تأمّلٌ سرديٌّ في هشاشة الوجود، وفي استحالة أن تجد الذات نقطةَ ارتكازٍ قارّةً تضمن لها الاستمرار.

مراجع وإحالات
ريكور، بول. الذات عينها كآخر، 1990.
ماركيز، غابرييل غارسيا. مائة عام من العزلة، ترجمة صالح علماني، دار المدى.
جورج لوكاش، نظرية الرواية.
ميخائيل باختين، الخيال الحواري.
تزفيتان تودوروف، شعرية النثر.

زر الذهاب إلى الأعلى