أبيل حسانوف: القراءة هي التفكير.. والتفكير هو بداية الحرية

يمنات

مقدمة وحوار: محمد المخلافي

نشأ أبيل حسانوف في فترة حاسمة من تاريخ أذربيجان، بين اللحظات الأخيرة للاتحاد السوفيتي واندلاع حركة الاستقلال، مرورا بتجربة صعبة في حرب (كاراباخ).

هذه الخلفية شكلت نظرته للحياة والسياسة، وجعلت منه كاتبا وصحفيا يرى العالم من زوايا مختلفة ومتداخلة.

اليوم، يقيم حسانوف في ألمانيا بعيداً عن أرضه وأهله، لكنه يحمل معه ثقافات متعددة ويكتب بعدة لغات (الأذربيجانية، والتركية، والألمانية، والروسية) معتبراً أن كل لغة تمنحه طريقة جديدة للتفكير والتعبير.

في هذا الحوار، يتحدث عن طفولته وكتاباته وانتماءاته بين الثقافات، ليظهر لنا أن الكلمة بالنسبة له هي الوسيلة لفهم ذاته والتعبير عن تجربته في الغربة. ولتقديم تجربته بشكل مباشر، تواصلت معه عبر البريد الإلكتروني وأجريت معه هذا الحوار المفصل.

1. بداية، من هو أبيل حسانوف؟ كيف تقدم نفسك للقارئ؟

أبيل حسانوف هو مسافر يتجول بين الكلمات والزمان. إنسان يجد صعوبة في التراجع خطوة إلى الوراء ليتأمل ذاته، لأن سؤال (من أنا؟) بالنسبة للكاتب لا ينتهي بإجابة بسيطة أبداً. أنا كاتب أذربيجاني، أسير في ذلك الممر الضيق حيث تتقاطع الأدب والفلسفة والفكر السياسي. أكتب باللغات الأذربيجانية والتركية والألمانية والروسية؛ وكل لغة منها هي فضاء فكري مستقل. أنا إنسان ينظر إلى العالم من خلال الكلمة، ويحاول انتزاع الكلمة من قلب العالم.

2. لنعد إلى البداية .. كيف كانت طفولتك؟

تزامنت طفولتي مع الأنفاس الأخيرة للإمبراطورية السوفيتية. كانت سنوات مليئة بالتناقضات؛ لا حرية كاملة ولا سكون تام. كانت الكتب هي الركن الأكثر صمتاً في بيتنا، لكنها كانت الأكثر حديثاً. مكتبة والدي كانت عالمي الأول — تولستوي، جعفر جبارلي، والشعر الأذربيجاني الكلاسيكي. ذكريات طفولتي بلونين: سواد انهيار الاتحاد السوفيتي والقلق المرتسم على وجوه أمهاتنا، والدفء العميق للأرض الأذربيجانية.

3. كيف بدأت علاقتك بالكتابة؟

لم تكن صدفة بحتة، بل كانت أقرب إلى (القدر المحتوم). أدركت يوماً أنني لا أستطيع تنظيم ما يدور في داخلي إلا من خلال الكلمة. وكما قال (نسيمي)، الكلمة مكنونة في جوهر الوجود، والكتابة هي محاولة لإخراج تلك الكلمة الخفية إلى ضوء النهار.

4. شهدت سقوط الاتحاد السوفيتي واستقلال أذربيجان .. كيف انعكست هذه الأحداث عليك؟

عندما اندلعت الشرارة الأولى للحركة الاستقلالية في 1988، كنت في قلب ذلك الحراك — في الشوارع، في المظاهرات، مستنشقاً أنفاس تلك الصحوة الكبرى. كنت ناشطاً في تلك الحركة. ثم جاء عام 1991 وتغير كل شيء. وكانت حرب “كاراباخ” الاختبار الأكثر إيلاماً — دماء، تهجير، وفقدان. منذ ذلك اليوم، تعلمت ألا أكتب ما هو (جميل) فقط، بل ما هو (ضروري).

5. أذربيجان، تركيا، ألمانيا — كيف حافظت على هويتك في أوروبا؟

لم يكن سهلاً، وهذا التحدي أغناني. كل بلد كشف لي عن جزء من ذاتي. “هيرمان هيسه” صقل عالمي الداخلي، و”فيكتور هوغو” شكل ضميري الاجتماعي، لكن لكي لا تذوب هويتي، كنت أعود دائماً إلى (نسيمي) و(فضولي). هما مرساتي. أنا أذربيجاني يكتب في أوروبا؛ لم أضحِّ بالأولى لأجل الثانية.

6. تجمع بين خيال الأديب ودقة المحلل السياسي .. كيف توازن بينهما؟

هذان القطبان وحدة واحدة بالنسبة لي. السياسة هي الوجه الظاهر للدراما الإنسانية، والأدب هو الصوت الداخلي لتلك الدراما. عندما أكتب الأدب أعتمد على الاستعارات، وعندما أكتب التحليل أعتمد على الحقائق. والحقيقة تكمن في نقطة تقاطعهما.

7. حدثنا عن أهم أعمالك المنشورة ومشاريعك القادمة؟

كتابي (خوف فقدان الحب) الذي نُشر في تركيا يضم 23 قصة قصيرة حول البحث عن الحرية والعدالة. حالياً، أعمل على مشروعين: الأول سيناريو — وهو لغة تفكير جديدة لي تعتمد على الصورة والحركة، والثاني كتاب جديد بدأ يجد صوته في داخلي.

8. ما الذي دفعك لكتابة كتاب (الوطن المهجور)؟

فراقان، صدمتان، ومنفيان اثنان. الأول سرق طفولتي قسراً من أذربيجان الغربية، والثاني سرق شبابي بسبب الضغط السياسي الذي أجبرني على الرحيل لاحقاً. (الوطن المهجور) ليس جغرافيا، بل هو لغة مهجورة، ذاكرة مهجورة، وحقيقة مهجورة. أحياناً يفقد الإنسان وطنه مرتين: مرة بالقوة، ومرة لأجل الحقيقة.

9. كيف تصف تجربة صناعة المحتوى عبر يوتيوب؟

الكلمة المكتوبة عميقة، لكن الكلمة المسموعة حية. يوتيوب منحني فرصة لقاء (المستمع). أمام الكاميرا، يتغير وزن الكلمة؛ تفكر في كل جملة مرتين لأنها تصل إلى الآلاف في لحظة واحدة.

10. من هو أبيل حسانوف في حياته اليومية؟

في البيت، أنا مجرد أب وزوج. عندما أقضي وقتي مع أطفالي، يضع العالم تعقيداته جانباً. الكتب، الموسيقى، والمشي في غابات ألمانيا — هذه لحظات أتجدد فيها. أحياناً أمشي ولا أفكر في شيء، ولحظات (عدم التفكير) هذه هي التربة الأكثر خصوبة للإبداع.

11. قلت (الكاتب هو ضمير عصره) .. كيف تجسد ذلك؟

أن تكون ضميراً ليس مريحاً. في هذا الزمن الذي يتسم بالسرعة وقلة العمق، مهمة الكاتب هي الخروج من التيار، التوقف، والتجرؤ على قول الحقيقة — حتى لو كانت ضد روح العصر.

12. ختاماً، بماذا تود أن تنهي هذا الحوار؟

الكلمة هي اللحظة التي يقترب فيها الإنسان من الخلود. العالم غالباً لا يمنح الأمل، لكن الكلمة تترك دائماً فرصة. رجائي للقراء: اقرأوا — ليس لي فقط، بل للجميع. القراءة هي التفكير، والتفكير هو بداية الحرية.

Related Posts

بورصات الخليج تتراجع على وقع تصاعد المخاطر الجيوسياسية

يمنات شهدت معظم بورصات الخليج تراجعا، الأحد 05 إبريل/نيسان 2026 مع تقييم المستثمرين للاضطرابات المتصاعدة في المنطقة في أعقاب الضربات الإيرانية على منشآت للبتروكيماويات في الإمارات والكويت ​والبحرين. وظلت المخاطر…

خبير طقس يتوقع مناطق الأمطار الغزيرة في اليمن خلال الأيام القادمة

يمنات توقع خبير الطقس، جميل الحاج، أن تشمل الأمطار الغزيرة خلال الأيام القادمة عددًا من المناطق غرب ووسط اليمن. وقال الحاج على حسابه في الفيسبوك إنه يتوقع أن تشمل الأمطار…

You Missed

بورصات الخليج تتراجع على وقع تصاعد المخاطر الجيوسياسية

بورصات الخليج تتراجع على وقع تصاعد المخاطر الجيوسياسية

خبير طقس يتوقع مناطق الأمطار الغزيرة في اليمن خلال الأيام القادمة

خبير طقس يتوقع مناطق الأمطار الغزيرة في اليمن خلال الأيام القادمة

عدن.. بصمة العين تثير احتجاجات عسكرية وغضب ضد السعودية

عدن.. بصمة العين تثير احتجاجات عسكرية وغضب ضد السعودية

أبيل حسانوف: القراءة هي التفكير.. والتفكير هو بداية الحرية

أبيل حسانوف: القراءة هي التفكير.. والتفكير هو بداية الحرية

ترامب يعلن إمكانية التوصل إلى اتفاق مع إيران وموسكو تطالب واشنطن بتخفيف لغة الإنذارات

ترامب يعلن إمكانية التوصل إلى اتفاق مع إيران وموسكو تطالب واشنطن بتخفيف لغة الإنذارات

مقتل قيادي في المقاومة الوطنية بشبوة

مقتل قيادي في المقاومة الوطنية بشبوة
Your request was blocked.