أهم الأخبارالعرض في الرئيسةفضاء حر

35 مدرعة في بلد بلا عجلات

يمنات

فيروز الوالي

في بلدٍ يقف فيه المواطن في طابور الخبز أكثر مما يقف في طابور الأحلام، تُعلن الأخبار – بكل برود – عن شراء 35 سيارة مدرعة للوزراء. نعم، مدرعة… وكأن الخطر الوحيد في اليمن هو على معاليهم، لا على شعبٍ يتنفس الخطر مع كل شهيق.

التكلفة؟
حوالي 9 ملايين دولار.

والسؤال ليس: هل الرقم صحيح؟
السؤال: هل الواقع أصلاً يتحمل هذا النوع من المزاح الثقيل؟

بينما يبحث المواطن في عدن عن كهرباء لا تنقطع، وفي تعز عن طريق لا يُقنص فيه، وفي عموم البلاد عن راتب لا يُعتبر ذكرى… يظهر لنا المسؤولون بمشهد أقرب إلى فيلم أكشن رديء الإنتاج: وزراء داخل مدرعات، وشعب خارج الحياة.
من يخدم من؟

هل جاءت هذه المدرعات لحماية الوزراء أثناء خدمتهم للشعب؟
أم لحمايتهم من الشعب الذي لم يعد يرى فيهم خدمة أصلاً؟

المفارقة المؤلمة أن كثيرًا من هؤلاء كانوا يومًا ما “سكان ساحات 2011”، يهتفون ضد الفساد والترف والطبقية السياسية.
اليوم… يبدو أنهم فهموا الثورة بشكل مختلف:
بدل إسقاط الامتيازات، قرروا تحديثها وتدريعها.

مقارنة موجعة… ومضحكة
يُقال إن هذه السيارات من طراز فاخر ومحصن بدرجة عالية.

طيب…
هل البلد في حرب عالمية؟
هل الوزراء مستهدفون بصواريخ نووية؟
أم أن المواطن الأعزل هو من يعيش فعليًا في منطقة خطر يومي؟

حتى في الدول الغنية، المسؤول يُقاس أداؤه بما يقدمه، لا بما يركبه.

أما عندنا، فالمعادلة مقلوبة:
كلما فشل المسؤول أكثر… احتاج حماية أكثر.
9 ملايين دولار… ماذا كانت ستفعل؟

دعونا نلعب لعبة بسيطة:
ماذا لو لم تُصرف هذه الملايين على مدرعات؟
كم ساعة كهرباء إضافية في عدن؟
كم مدرسة تم ترميمها في تعز؟
كم راتب متأخر تم صرفه لموظفين ينتظرون منذ سنوات؟
كم مريضًا تم إنقاذه من الموت البطيء في المستشفيات؟

لكن يبدو أن الإجابة الرسمية ستكون:
“الأولوية للأمن”…
طبعًا، أمن المسؤول، لا أمن المواطن.
الإنجاز… أين هو؟

بعيدًا عن السخرية، دعونا نسأل بجدية:
ما هو الإنجاز الفعلي خلال الأشهر الماضية؟
هل تحسنت الخدمات؟
هل استقرت العملة؟
هل عاد الأمل للناس؟

أم أن الإنجاز الوحيد الملموس هو:
زيادة سماكة زجاج سيارات الوزراء؟

الكوميديا السوداء
المشهد اليوم كالتالي:
وزير في مدرعة فاخرة،
يمر بجانب مواطن يركض خلف صهريج ماء،
أو ينتظر ديزل لمولد،
أو يبحث عن دواء غير متوفر.
الوزير محمي من الرصاص،
والمواطن غير محمي من الحياة نفسها.

الخلاصة
ليست المشكلة في السيارات بحد ذاتها،
بل في العقلية التي ترى نفسها أهم من الشعب.

حين يتحول المسؤول إلى كائن يحتاج تدريعًا،
فهذا يعني شيئًا واحدًا:
أنه فقد أهم حماية كان يملكها…
ثقة الناس.
وفي النهاية،
لا تحتاج الحكومات إلى مدرعات كي تنجو،
بل تحتاج إلى عدالة كي تُحترم،
وإنجاز كي تُحمى…
بقلوب الناس، لا بصفائح الحديد.

زر الذهاب إلى الأعلى
Your request was blocked.