أدب وفنأهم الأخبارالعرض في الرئيسة

قراءة في كتاب المندثر من لهجات اليمن والمعافر للباحث اليمني نبيل الفودعي

يمنات

محمد المخلافي

يأتي كتاب (المندثر من لهجات اليمن والمعافر) (الجزء الأول) للباحث نبيل محمد الفودعي، الصادر عام 2021 عن دار الباسل للنشر والتوزيع بالقاهرة، ضمن الجهود الفردية الجادة التي تهدف إلى صون الذاكرة اللغوية اليمنية من الضياع.

يقع الكتاب في نحو 207 صفحة من القطع المتوسط، ويضم قرابة الف كلمة، ولا يقتصر على جمع كلمات متناثرة أو تسجيل مفردات قديمة فحسب، بل يسعى إلى إعادة ربط الحاضر اللغوي بجذوره العميقة. ويعتمد في ذلك على خبرة بحثية راسخة وحس لغوي نابع من تجربة طويلة مع اللهجات اليمنية وتفاصيلها الدقيقة.

تبرز أهمية هذا العمل كونه يركز على جانب مهم من التراث غير المادي، وهو اللهجات المحلية التي كانت لقرون طويلة تعكس حياة الناس اليومية وتفاصيلها. ومع الوقت بدأت هذه اللهجات تتراجع أمام انتشار اللغة المعيارية ووسائل الاتصال الحديثة.

ومن هنا، يأتي هذا المعجم كمحاولة جادة لتوثيق ما يوشك على الاندثار، وجمعه في صيغة منظمة ومرتبة هجائيا من الألف إلى الياء، بحيث يسهل الرجوع إليه والاستفادة منه.

ينطلق الأستاذ فيصل سعيد فارع المدير السابق لمؤسسة السعيد الثقافية في توطئته التي افتتح بها المعجم من فكرة أساسية مفادها أن اختلاف اللغات واللهجات ليس تنوعا عابرا، بل هو ظاهرة إنسانية عميقة تعكس تاريخ المجتمعات وتفاعلها عبر الزمن. ويشير إلى أن التوثيق اللغوي في اليمن لا يزال دون المستوى المطلوب، خاصة فيما يتعلق باللهجات التي انقطعت في كثير من الأحيان عن أصولها ومصادرها.

كما يلفت إلى أن اللغات، بطبيعتها، كائن حي يتغير ويتكيف، وأن اللهجات المحلية تمثل امتدادا حيا للغات القديمة، حتى وإن خضعت للتأثير أو التبدل. وفي هذا السياق، يضع الكتاب ضمن الأعمال المهمة التي تسهم في كشف أصول المفردات وإبراز دلالاتها، مشيدا بجهد المؤلف في جمع مادة لغوية واسعة، مع اهتمام خاص بمنطقة المعافر بوصفها فضاء غنيا بالتراث اللغوي.

تليها مقدمة الدكتور سامي شرف الشهاب عن تاريخ اليمن القديم من زاوية لغوية. يبدأ بالإشارة إلى أن اليمن من أقدم البيئات التي عرفت تطورا لغويا واضحا، وهذا يظهر في النقوش القديمة والآثار التي بقيت من فترات ما قبل الإسلام.

ويذكر اللغات العربية الجنوبية القديمة مثل السبئية والقتبانية والمعينية وغيرها، ويشير إلى أن جزءا من مفرداتها لم يختف تماما، بل ما زال موجودا في اللهجات اليمنية اليوم بشكل أو بآخر، حتى لو تغير أو اندمج مع غيره. كما يتوقف عند خط المسند باعتباره أحد أهم الشواهد على ذلك التاريخ اللغوي.

وعند حديثه عن الكتاب، يشير إلى أن المؤلف اعتمد على جمع المفردات من الذاكرة الشعبية، مع المقارنة بين الاستخدامات المختلفة للكلمات. ويركز بشكل خاص على لهجة المعافر، ويعتبرها منطقة فيها مادة لغوية يمكن أن تساعد في فهم جزء من التاريخ اللغوي للمنطقة.

تكشف مقدمة المؤلف عن جانب إنساني واضح يقف خلف هذا العمل، إذ يروي نبيل محمد الفودعي تجربته المبكرة مع اللهجة، حين كان يتعرض للانتقاد بسبب طريقته في الكلام خارج اليمن، وهو ما ترك في نفسه أثرا عميقا، ودفعه إلى التساؤل عن أصول المفردات التي يستخدمها وقيمتها. ومع مرور الوقت، تحول هذا الشعور إلى دافع حقيقي للبحث، خاصة مع ما وجده من دعم معنوي من والده، الذي عزز ثقته بلغته وربطها بجذورها الفصيحة.

وينتمي الفودعي إلى جيل من الباحثين العصاميين، فهو كاتب وشاعر وباحث لغوي مهتم باللغة الحميرية القديمة وعلاقتها بما يعرف بلغة العصر. وقد جاء هذا المعجم ثمرة جهد ذاتي خالص، اعتمد فيه على زيارات ميدانية إلى عدد من المدن والمناطق اليمنية، حيث ظل لسنوات يجمع المفردات من أفواه الناس ويسجلها، مستندا إلى الذاكرة الشعبية بوصفها مصدرا حيا للغة.

ويشير المؤلف إلى أن مشروعه هذا لم يكتمل بعد، إذ لم يصدر منه سوى الجزء الأول حتى الآن، فيما تعثرت بقية الأجزاء بسبب ظروف مادية، رغم أن مادة الكتاب جمعت على امتداد سنوات طويلة منذ مطلع الألفية تقريبا. ومع ذلك، حظي جهده بتقدير ملحوظ، حيث نال تكريما من عدد من المنتديات داخل اليمن وخارجها في الدول العربية، كما حصل على تكريم من اتحاد كتاب مصر بعد محاضرة ألقاها هناك، وهو عضو فيه، إلى جانب كونه عضوا مؤسسا لاتحاد الشعراء الشعبيين في محافظة الحديدة.

ولم يقتصر نشاطه على التأليف، بل كتب في عدد من الصحف والمواقع اليمنية والعربية، وشارك في لقاءات إعلامية متعددة عبر قنوات عربية ويمنية، منها إذاعة وتلفزيون صوت العرب من القاهرة، وقناة النيل الفضائية، إضافة إلى قنوات لبنانية ويمنية متنوعة. كما قدم محاضرات عن اللغة الحميرية، وشارك بمداخلات لغوية في مجمع اللغة العربية بالقاهرة وعدد من الجامعات العربية، من بينها الأزهر الشريف، حيث لاقت مشاركاته استحسانا واضحا.

وقد حظي كتابه باهتمام أكاديمي، إذ عرض على مركز الدراسات الشرقية بجامعة القاهرة، ونال إعجاب لجنة المناقشة التي اعتبرته إضافة مهمة للمكتبة العربية. وإلى جانب عمله البحثي، يمتلك الفودعي تجربة شعرية، صدر له منها ديوان أول مكنه من نيل عضوية اتحاد كتاب مصر، كما شارك في أمسيات وقصائد داخل الاتحاد، وغنيت بعض نصوصه بصوت فنانين، من بينهم فنان أوبرا مصري.

بهذا، تبدو مقدمة المؤلف سيرة مختصرة لرحلة طويلة من الاهتمام باللغة، بدأت بدافع شخصي بسيط، وانتهت بمشروع معجمي يسعى إلى حفظ جزء مهم من الذاكرة اللغوية اليمنية.

من خلال النماذج المقدمة، يتضح أن المؤلف اعتمد أسلوبا معجميا تقليديا في ترتيب المادة، حيث تعرض المفردات وفق الترتيب الهجائي، مع تقديم اللفظة كما تستخدم في اللهجة، ثم شرح معناها الدارج، يعقبه في كثير من الأحيان ربطها بما ورد في المعاجم العربية القديمة أو الحديثة.

ويقوم المدخل المعجمي غالبا على ثلاثة عناصر:

اللفظة في سياقها الشعبي
تفسيرها في الاستعمال المحلي
الإحالة إلى أصلها في المعاجم العربية
فمثلا، يورد المؤلف في الصفحة (23) لفظة:

(أرش): هو ما يدفع للمصاب من مبالغ مقابل ما تعرض له من جروح، قبل أن يشير إلى معناها في المعجم بوصفها (دية). كما يورد في الصفحة نفسها:

(برذق): يقال (فلان برذق الفلوس)، بمعنى أنفقها بإسراف. ويلاحظ أن هذا النمط يتكرر في معظم المداخل، ما يكشف عن محاولة واضحة لرد اللهجة إلى أصولها الفصيحة، أو على الأقل إيجاد صلة بينها وبين المعجم العربي.

وتظهر النماذج التطبيقية من المعجم أن المؤلف لا يكتفي بالتعريف، بل يقدم أحيانا استعمالات سياقية تقرب المعنى، وهو ما يشير إلى سعيه لتفسير الظاهرة اللغوية لا مجرد تسجيلها.
ومن الأمثلة التي تعكس الطابع الحي للهجة:

(حارش): يقال (فلان حارش بين فلان وفلان)، بمعنى فتن بينهم (ص 28).
كما تتسع بعض الشروح لتشمل ملاحظات دلالية، كما في:
(حلس): (تحلوس بالشيء) أي أكله، ونلحظ اشتراكا في المعنى بين (حلس) و(لحس) (ص 59).

ويورد كذلك أمثلة أخرى تعزز هذا التوجه، مثل:

(رعجج): يقال (فلان يرعجج الباب)، أي يهزه بعنف (ص 77)،
و(رغث): يقال (فلان رغث البيت)، أي بالغ في البحث دون أن يجد (ص 90).

وتكشف هذه الأمثلة عن ثراء لغوي واضح، وتنوعا في الدلالات بين الحسي والمجازي، بما يعكس حيوية اللهجة وعمق ارتباطها بالمعجم العربي.

يعتمد المؤلف في هذا العمل على منهج يمكن وصفه بأنه وصفي-مقارن، فهو من جهة يتبع المنهج الوصفي عبر تسجيل المفردات كما تستعمل في الواقع اليومي، ومن جهة أخرى يوظف المقارنة من خلال ربط هذه المفردات بما ورد في المعاجم العربية مثل لسان العرب والمعجم الوسيط والرائد. ويكشف هذا التوجه عن سعي واضح لتأصيل اللهجة وردها إلى جذورها الفصيحة.

كما يظهر اعتماد المؤلف بدرجة كبيرة على الذاكرة الشعبية والمشافهة، وهو أمر ينسجم مع طبيعة المشروع، غير أنه يثير في الوقت ذاته تساؤلات تتعلق بمدى الضبط والتوثيق في بعض المواضع، خاصة في ظل غياب الإحالة الدقيقة أحيانا أو التوثيق الصوتي.

وأبرز ما يميز هذا العمل هو الجهد الميداني الواضح، فالمادة اللغوية ليست منقولة فحسب، بل ناتجة عن معايشة مباشرة وجمع حي من بيئة الاستعمال. ويتجلى ذلك أيضا في محاولته ربط اللهجة بالفصحى، بما يعكس رغبة جادة في إثبات الامتداد التاريخي للمفردات.

إلى جانب ذلك، يتميز المعجم بتنوع مادته اللغوية، إذ يضم ألفاظا حياتية ونفسية ووصفية وسلوكية، فضلا عن بساطة العرض، حيث يأتي الشرح مباشرا وسهلا، ما يجعله في متناول القارئ غير المتخصص.

ورغم هذا النجاح، لا يخلو العمل من بعض الملاحظات، من أبرزها غياب التوثيق الصوتي، وهو عنصر مهم في دراسة اللهجات، إضافة إلى وجود بعض الأخطاء المطبعية. ومع ذلك، فإن هذه الملاحظات لا تنتقص من قيمة العمل، بل تضعه في سياقه الطبيعي بوصفه جهدا فرديا يحتاج إلى مزيد من الاستكمال والتطوير.

خلاصة القول، يعد كتاب (المندثر من لهجات اليمن والمعافر) محاولة جادة لتوثيق جانب مهم من التراث اللغوي اليمني، في مرحلة تاريخية تتسارع فيها مظاهر التغيير والاندثار.

ويكتسب هذا العمل قيمته الأساسية من كونه جهدا ميدانيا نابعا من تجربة شخصية ومعايشة مباشرة، أكثر من كونه مشروعا أكاديميا متكامل الأطر. كما يمثل إضافة مهمة في مجال دراسات اللهجات، خاصة للباحثين والمهتمين بالتراث اللغوي، ويفتح في الوقت نفسه نافذة للقارئ العام على ثراء اللغة في سياقها اليومي والمعيشي.

ويمكن القول إن هذا الجزء يشكل أساسا لمشروع بحثي أكبر، يظل نجاحه مرتبطا باستكمال بقية الأجزاء، مع تطوير منهجه، بما يعزز من قيمته العلمية ويمنحه حضورا أوسع في الدراسات اللغوية العربية، خاصة أن المتبقي من مادة المشروع يتجاوز عشرين ألف كلمة. ولعل هذا النوع من المشاريع يحتاج كذلك إلى دعم مؤسسي يضمن استمراره واستكماله بصورة أكثر تنظيما ومنهجية.

زر الذهاب إلى الأعلى
Your request was blocked.