أهم الأخبارالعرض في الرئيسةفضاء حر

عن ليلة احترق فيها البحر.. قصة نجاة من قصف منشآت رأس عيسى

يمنات

الخميس 17 أبريل 2025، الساعة 9:40 مساءً.
تاريخ محفور في ذاكرتي باللهب والدم. ليلة لم تكن ككل الليالي، ليلة بدأت بمكالمة عادية وانتهت بمعركة من أجل البقاء.

كنت في مقر عملي بمنشآت رأس عيسى، وقد مضت نصف ساعة فقط على بدء مناوبتنا الليلية في تعبئة القواطر بالبنزين. قبل الانفجار بربع ساعة تماماً، اتصلت بزوجتي كعادتي كل ليلة… “كيفك؟ الأولاد ناموا؟” كلمات بسيطة روتينية، لم أكن أعلم أنها قد تكون الأخيرة. أغلقت الخط، وما هي إلا لحظات حتى رن هاتفي مجدداً. كان صديقاً. تحدثنا قليلاً، وأقفلت.

كنت أقف أنتظر دوري للصعود والكشف على إحدى القواطر بعد انتهاء تحميلها. وفجأة… حدث ما لم يكن في الحسبان.

الانفجار الأول
دوى انفجار هائل مزق سكون الليل، ومزق معه طبلة أذني. شعرت بحرارة الجحيم تلفح وجهي. حاولت أن أتمالك نفسي، أن أهرب من كتلة النار التي ابتلعت المكان، لكن لم أُفلح. وقبل أن أستوعب ما يحدث، جاء *الانفجار الثاني* خلال ثوانٍ. سقطت على الأرض. عندها فقط أدركت: إنه قصف صاروخي. عدوان أمريكي إسرائيلي يستهدف منشآتنا.

حاولت الوقوف مراراً، لكن قدمي خذلتني. شظية لعينة استقرت في قدمي اليسرى. كانت النار في كل مكان، والقصف لا يتوقف. زحفت. كان الزحف هو خياري الوحيد للنجاة. كان صراخ زملائي وأنينهم يملأ المكان، أصوات ألم تحرق القلب قبل أن تحرق النار أجسادهم. ثم… ساد صمت موحش. سكتوا جميعاً.

كان البحر هو الأقرب والأكثر أماناً. زحفت نحوه وأنا أسمع أزيز الصواريخ والانفجارات من كل جانب. وصلت إلى الماء وبقيت فيه قرابة الساعتين. ساعتان والجحيم فوق رأسي. كنت أسمع صوت زميل لي بعيد في البحر يصيح طلباً للنجدة، وأصيح أنا الآخر… لكن لا مجيب. لا أحد يسمع وسط ضجيج الموت.

معركة النزيف
هاتفي سقط. قدمي تنزف بغزارة. بحثت حولي عن أي شيء أربط به الجرح وأوقف النزيف فلم أجد. تذكرت حزام البنطال. بصعوبة شددته فوق ركبتي. كنت وحدي، بين البحر والنار، والدم والخوف.

بعد ساعة تقريباً، وصل زميل شجاع يبحث عن شقيقيه. سألني: “شفت إخواني؟” أجبته بصوت مبحوح: “نعم، كانوا فوق القواطر قبل القصف”. رحمة الله عليهم. حاول مساعدتي لكنه لم يستطع حملي، فذهب يبحث عنهما. وبقيت وحدي، أغيب عن الوعي من كثرة النزيف والخوف.

الفرج
ثم جاء الفرج. وصلت سيارة الإسعاف. نقلوني مع من تبقى من زملائي وسائقي القواطر الناجين. كان المسعفون أبطالاً حقيقيين، يعملون تحت الخوف من استهداف الطيران لهم.

أول ما صعدت السيارة طلبت هاتف السائق. أهلي كانوا يظنون أني مت. هاتفي مغلق، والأنباء متضاربة. من شدة الصدمة نسيت كل الأرقام. بعد محاولات، تذكرت رقم أخي محمد. اتصلت. “ألو، معك وائل… أنا بخير الحمدلله”. لم يستوعب في البداية. طمأنتهم أني في طريقي إلى مستشفى بالحديدة.

وصلوا المستشفى فجراً لكنهم مُنعوا من الدخول بسبب الأوضاع الأمنية. رأوني فقط من خلف نافذة غرفة العمليات.

رحلة الألم والأمل
ثلاثة أيام في الحديدة، ثم نُقلت إلى صنعاء لأن حالتي تستدعي ذلك. كان نسبي طارق، شقيق زوجتي، هو الرجل الأول الذي وقف معي. جهز كل شيء. وصلنا صنعاء فجراً، كنت انا وأخي محمد ونسبي طارق ولحقت بنا عائلتي: والديّ، وزوجتي، وأولادي، وأختي.

مكثت في صنعاء أكثر من شهر. *زوجتي لم تفارقني لحظة واحدة*. كانت سندي في كل غرفة، وكل ألم، وكل ليلة.

كانت لاتنام الليل والنهار
ساءت حالتي، وقررت قيادة شركة النفط مشكورةً سفري للخارج للعلاج. لكن القدر كان له رأي آخر: *قُصف مطار صنعاء وخرج عن الخدمة إلى يومنا هذا*.

عدنا للتخطيط. شهران من التنسيق حتى سافرنا من مطار عدن. كان أخي أيمن في استقبالي هناك، قاطعاً مسافة يوم كامل من محافظة أخرى. لم أره منذ أربع سنوات، منذ يوم زواجه. رؤيته كانت حافزاً ودفعة أمل.

سافرنا أنا وزوجتي ونسيبي طارق. خمسة أشهر في رحلة علاجية بالخارج تكللت بالنجاح والحمدلله. عدنا إلى أرض الوطن، ولا زالت أمامي رحلة علاجية أخرى، أسأل الله التوفيق فيها.

كلمة وفاء وعتب
اليوم، وبعد عام كامل، لا أنسى.
لا أنسى زوجتي التي كانت جيشي الوحيد. ولا أنسى نسيبي طارق، ووالديّ، وإخواني محمد وأيمن. ولا أنسى أصدقائي الذين تكبدوا مشقة السفر من الحديدة إلى صنعاء لزيارتي، وأصدقائي في صنعاء الذين لم يقصروا.
ولا أنسى وقفة قيادة شركة النفط، والمسؤولين في الرعاية الطبية، والقيادة العليا. كنتم عوناً وسنداً.

وعتبي محبة على بعض الأهل والأصدقاء الذين يسكنون في صنعاء ولم يكلفوا أنفسهم عناء الزيارة. قد تكون لهم ظروفهم، والله أعلم.

الدرس
خرجت من تلك الليلة بقدم مصابة، لكن بقلب ممتلئ. ممتلئ بالإيمان، وبالامتنان، وبمعرفة معادن الناس الحقيقية. تعلمت أن الحياة قد تتغير في “ربع ساعة” – المدة بين مكالمة زوجتي والانفجار. تعلمت أن البحر يمكن أن يكون ملجأً، وأن حزام البنطال يمكن أن ينقذ حياة، وأن صوت الأخ في الهاتف هو أجمل ما يمكن أن تسمعه بعد أن يظنك العالم ميتاً.

شكراً لكل من كان معي. شكراً للحياة التي أمهلتني.
والرحمة لكل زملائي الذين سكت صراخهم في تلك الليلة. لم ولن أنساكم.

وائل عبدالله محمد شقاب
9 مايو 2026

زر الذهاب إلى الأعلى
Your request was blocked.