دعو عبد ربه ينام بسلام… فالجمهوريات لا تُحاكم بمنطق القطيع

يمنات
أ.د عبد الله غالب المعمري
في هذا الزمن الرديء، صار من السهل على الجموع أن تبحث عن رجلٍ واحدٍ تعلّق فوق عنقه كل خطايا البلاد، ثم تمضي مطمئنةً وكأنها بذلك قد فهمت المأساة. وهكذا تحوّل الرئيس عبدربه منصور هادي إلى شماعةٍ ضخمة علّق عليها الجميع هزائمهم وخيباتهم وانكساراتهم، بينما الحقيقة أكثر قسوةً وتعقيدًا من هذا الابتذال السياسي الرخيص.
لقد استلم الرجل وطنًا منهكًا ممزقاً ، لا دولة.
استلم خرائط جغرافيا ممزقة، وجيشًا منقسمًا، ومراكز قوى تتقاسم الجمهورية كما تتقاسم الضباع جسد الغزال الجريح. استلم بلدًا كانت القبيلة فيه أعلى من القانون، والمليشيا أعلى من الدولة، والسلاح أكثر حضورًا من فكرة الوطن نفسها.
ثم جاء الحوثي، لا كخصمٍ سياسي، بل كمشروع اجتياحٍ كامل لفكرة الجمهورية.
جاء حاملاً ظلام السلالة، وثأر القرون، وعقلية الإمامة التي تؤمن أن الشعب مجرد رعية، وأن اليمن إرثٌ عائلي يُدار بالبندقية والخرافة والحق الإلهي.
وفي تلك اللحظة، لم يكن الصراع على كرسي رئاسة فحسب، بل على روح اليمن على إسقاطها من الداخل:
وضعتنا همجيه الهضبه أمام أسوأ وضع بالتاريخ اليمني.
هل تبقى الجمهورية رغم ضعفها وفسادها وعجزها؟
أم يعود اليمن إلى كهف الإمامة والطاعة والخراب المقدس؟
هنا يجب أن تُقرأ مرحلة عبدربه.
لا باعتباره بطلاً أسطوريًا، ولا خائنًا كما تصرخ الحناجر الغاضبة المناهضة لمشروعه الفيدرالي ، بل كرجلٍ وجد نفسه واقفًا وسط انهيارٍ تاريخي أكبر من قدرة أي فرد.
رجل حاول أن يحمل ما تبقى من شرعية الدولة فيما كانت بنادق الجندرمه تُوزع البلاد وتتقاسمه قطعةً قطعة.
نعم، أخطأ وأحيانًا كان ضعيفًا وهادئاً وبطيئاً بما فيه الكفايه.
وأحيانًا بدا مرتبكًا أمام وحشٍ يلتهم الجمهورية من الداخل وغول يتربصها من الخارج.
لكن من الظلم، بل من الوقاحة السياسية، أن يُختزل سقوط اليمن كله في رجلٍ واحد، بينما الذين نهبوا الدولة لعقود، والذين سلّموا المعسكرات، والذين موّلوا الخراب وافشلو الرجل ، والذين تاجروا بدم الناس، يختبئون اليوم خلف شعارات البطولة الكاذبة.
الحقيقة التي يخاف كثيرون قولها:
أن الجمهورية اليمنية لم تسقط يوم رئاسة هادي فقط…بل كانت تُذبح شريان شريان ببطء منذ سنوات طويلة، على أيدي تحالفٍ مرعب بين الفساد، والمشايخ القبلية والدينيه ،والعصبيه المناطقيه والمليشيا، والكهنوت، وأمراء الحرب.
ولهذا…دعوا الرجل ينام بسلام. فالتاريخ لا يكتبه المنتصرون دائمًا، بل تكتبه الحقيقة حين يهدأ الضجيج.
وسيأتي يوم يدرك فيه اليمنيون أن نكستهم لم تكن بسبب شخصٍ اسمه عبدربه، بل مع البنية العميقة والعقليه المتخلفه الصدئه العصبويه التي جعلت الجمهورية هشة إلى هذا الحد، وجعلت الوطن كله قابلًا للبيع في أول مزادٍ للحرب.
أما الذين يريدون تحويل السياسة إلى حفلةِ لعنٍ جماعي، فهم لا يبنون وطنًا…بل يوسّعون مساحه المقبرة فقط.