فضاء حر

شرعية المنافي وتآكل الدولة اليمنية

يمنات

محمد اللوزي

لم تعد قضيةالشرعية في اليمن مجرد توصيف قانوني أو سياسي لسلطة معترف بها دوليا، بل أصبحت عنوانا لأزمة وطنية عميقة تكشف حجم التباعد بين السلطة التي تدعي تمثيل الشعب وبين الواقع المعيشي والوطني الذي يرزح تحته ملايين اليمنيين. فمنذ اندلاع الحرب وما تبعها من تحولات دراماتيكية في بنية الدولة والمجتمع، أخذ مفهوم الشرعية يفقد تدريجيا رصيده المعنوي والشعبي، حتى وصل إلى مرحلة بات فيها كثير من اليمنيين ينظرون إليه بوصفه إطارا شكليا يعيش خارج الوطن أكثر مما يعيش داخله.

عندما تشكلت الشرعية عقب أحداث عام 2014، كانت الفكرة الأساسية تقوم على الحفاظ على استمرارية الدولة ومنع سقوطها الكامل في قبضة الانقلاب، مع الاحتفاظ بالغطاء الدستوري والقانوني الذي يضمن الاعتراف الدولي بالسلطة اليمنية. غير أن السنوات اللاحقة كشفت عن فجوة متزايدة بين هذه الفكرة النظرية وبين الممارسة العملية على الأرض. ومع خروج الرئيس عبد ربه منصور هادي من المشهد السياسي وانتقال السلطة إلى مايسمى مجلس القيادة الرئاسي، بدا للكثيرين أن الشرعية الدستورية التي كانت تمثل رمزا للدولة قد تحولت إلى منظومة محاصصة سياسية عاجزة عن إنتاج مشروع وطني جامع أو فرض سيادة فعلية على الأرض.

لم يكن غياب هادي مجرد انتقال إداري للسلطة، بل مثل في الوعي الشعبي نهاية مرحلة وبداية مرحلة أخرى اتسمت بتشظي القرار السياسي وتعدد مراكز النفوذ، الأمر الذي جعل الدولة تبدو أقل حضورامن أي وقت مضى. وبينما كانت المناطف الخاضعة للسلطة المعترف بها دوليا تعاني من انهيار الخدمات وتدهور العملة وانقطاع المرتبات وانتشار الفوضى الأمنية، كان قادة المشهد السياسي والعسكري والإعلامي يقيمون في عواصم الخارج بعيدا عن تفاصيل المعاناة اليومية للمواطنين.

وهنا برزت واحدة من أخطر الإشكالات التي واجهت الشرعية، وهي حالة الانفصال عن الواقع. فقد تشكل لدى قطاعات واسعة من اليمنيين شعور بأن السلطة التي يفترض أن تمثلهم لم تعد تعيش ظروفهم أو تشاركهم أعباءهم، بل أصبحت جزءامن حياة مرفهة في المنافي والفنادق، بينما يترك المواطن وحيدا في مواجهة الفقر والحوع وانهيار الخدمات. هذا التناقض العميق بين حياة المسؤول وحياة المواطن أنتج فجوة نفسية وسياسية عميقة، وأدى إلى تآكل الثقة الشعبية بصورة غير مسبوقة.

وفي ظل غياب الدولة الفاعلة، تحولت البلاد إلى ساحة مفتوحة لتكاثر مراكز النفوذ والقوى الانتهازية التي وجدت في الحرب فرصة ذهبية لتعظيم مكاسبها السياسية والاقتصادية. فالأحزاب السياسية التقليدية التي كان يفترض أن تقود مشروعاوطنيالإنقاذ البلاد بدت عاجزة عن تجاوز حساباتها الضيقة، وانشغل كثير من قادتها بالصراع على المناصب والامتيازات والمكاسب الشخصية أكثر من انشغالهم ببناء مؤسسات الدولة أو معالجة معاناة المواطنين.

لقد تحولت بعض القوى الحزبية إلى كيانات تقتات على الأزمة بدلا من البحث عن خلول لها. وأصبح همّ العديد من القيادات السياسية الحصول على حصص في التعيينات الدبلوماسية واللجان الحكومية والمخصصات المالية، بينما بقي المواطن البسيط يدفع وحده ثمن الحرب والانهيار الاقتصادي. وهكذا انتقلت الأحزاب من كونها أدوات للتغيير الوطني إلى أدوات لإعادة إنتاج الأزمة وإدامتها.

وفي السياق ذاته، نشأ ما يمكن تسميته بـاقتصاد الحرب، وهو منظومة واسعة من المصالح المالية والإدارية والعسكرية التي ارتبط وجودها باستمرار الصراع. فقد أفرزت سنوات الحرب شبكات مستفيدة من الدعم الخارجي والاعتمادات المالية والصفقات العسكرية والتجارية المرتبطة بالحرب، الأمر الذي جعل إنهاء الصراع بالنسبة لبعض هذه القوى يشكل خطرا على مصالحهموتحولت الحرب ة لدى البعض مشروعا اقتصادياقائما بذاته.

ولم يقتصر الأمر على الفشل السياسي والعسكري، بل امتد إلى المجال الفكري والثقافي والديني. ففي ظل غياب مشروع وطني جامع، برزت خطابات أيديولوجية ومذهبية متصارعة ساهمت في تعميق الانقسام المجتمعي وإضعاف الهوية الوطنية الجامعة. وتحولت بعض المنابر إلى أدوات لتبرير الفشل والعجز أو لتغذية الكراهية والانقسامات، بدلامن أن تكون منابر لبناء الوعي وتعزيز قيم المواطنة والدولة.

لقد جرى في كثير من الأحيان تحويل الصراع من قضية سياسية تتعلق بمستقبل الدولة اليمنية إلى صراعات مذهبية وأيديولوجية ضيقة، وهو ما أدى إلى تمزيق النسيج الاجتماعي وإضعاف فرص التوافق الوطني. كما استخدمت الشعارات الدينية في بعض الأحيان لتبرير ممارسات سياسية فاشلة أو لتغطية مظاهر الفساد والعجز الإداري، الأمر الذي زاد من حالة الإحباط وفقدان الثقة لدى المواطنين.

ومع استمرار هذا الواقع، تآكلت مؤسسات الدولة وتراجعت فكرة الوطن الجامعة لصالح مشاريع محلية وإقليمية متنافسة. وأصبحت الجغرافيا اليمنية مقسمة فعليا إلى مناطق نفوذ متعددة، لكل منها سلطتها وأجهزتها وجساباتها الخاصة، بينما تراجعت قدرة الدولة المركزية على فرض إرادتها أو تقديم نموذج موحد للحكم والإدارة.

إن أخطر ما أفرزته سنوات الحرب ليس فقط الدمار الاقتصادي أو الانهيار الخدمي، بل تآكل العلاقة بين المواطن والدولة. فحين يفقد المواطن ثقته بمن يدّعي تمثيله، وحين تصبح الشرعية مجرد عنوان سياسي بانتهازية صرفةو لا ينعكس في حياة الناس وأمنهم ومعيشتهم، فإن الأزمة تتجاوز حدود السياسة لتصل إلى جوهر فكرة الدولة نفسها.

لقد أثبتت التجربة أن الشرعية لا تصنع بالاعترافات الدولية وحدها، ولا تحيا بالقرارات الأممية أو البيانات الدبلوماسية، وإنما تستمد قوتها من حضورها بين الناس وقدرتها على حماية مصالحهم والدفاع عن حقوقهم وتجسيد آمالهم. وحين تنفصل السلطة عن المجتمع، وتتحول إلى نخبة معزولة تعيش خارج سياق المعاناة الوطنية، فإنها تفقد تدريجيا مقومات بقائها المعنوي مهما امتلكت من دعم خارجي.

واليوم تبدو اليمن بحاجة إلى مراجعة وطنية شاملة تتجاوز أخطاء الماضي وصراعات النخب، وتعيد الاعتبار لفكرة الدولة بوصفها مشروعا جامعالكل اليمنيين. فمستقبل البلاد لن يبنى عبر المحاصصات أو الولاءات الخارجية أو اقتصاد الحرب، بل عبر مشروع وطني حقيقي ينطلق من الداخل، ويستمد شرعيته من الشعب ومن الايمان بالله والوثوقية بقدرات الجماهير ،

 فالوطن الذي أنهكته الحروب لا يحتاج إلى مزيد من النخب المتصارعة، بل يحتاج إلى قيادة واخدة تنهض من قلب المعاناة، وتؤمن بأن الشرعية الحقيقية تبدأ من خدمة الناس كن الانتصار لقضايهم ومن الفعل السيادي الرافض للهيمنة والإملاءات والتدخلات الخارجية، لا من الإقامة في المنافي والبقاء في حالةة خنوع وذل واستلاب وطن حقه ، أن الدولة لا تبنى بالشعارات، بل بالمسؤولية والتضحية والالتصاق بقضايا المواطنين وآمالهم. وبالفعل الذي يرسخ المسئولية الجماعية وينجز فعلا تحرريا بكامل السيادة للارض والانسان.

زر الذهاب إلى الأعلى
Your request was blocked.