الطريق إلى رجاح

يمنات
محمود ياسين
بلاد عبد الوهاب بن امين ، ومقبل واحمد علي مهدي والشيخ فيصل وعيال الشيخ فيصل .
بلاد الحاج سعد الدين وهي بلاد جد زوجتي العزي الذي قال : دوله ماته
كان باقي هدره أهادرها وتهادرني
قرية قايد سيف وسعيد بن احمد علي
قرية الفرع الوهابي من بني قاسم
قرية الاشنون والضياح والبلس الترك
حيث ولدت وحيث يتوقع الكاتب الصحفي ان يمضي البرزخ في انتظار القيامة وعيناه تنغلان بالدود تحت التراب .
رجاح حيث الماء يسيل ويتدفق وبوسعك ان تمشي تحت العقد الذي يسيل على ساقيته الماء .
كل انسان يحب قريته
كل كاتب يظن قريته اعظم قرى العالم
لكن انظر للصورة
لا قرية تشبه رجاح
ولا حتى ماكوندو
لا توجد قرية في العالم مزربة بتفاح
لا قرية في العالم لها بوابة تغلق عند المغرب
لا قرية في العالم يتدفق الماء على ساقية تمر بين بيوتها عند شروق الشمس
لا أطفال في العالم يرفعون ثيابهم عند الصباح ليجلسوا في الساقية صانعين بمؤخراتهم سدودا للقرويات غاسلات الأواني والثياب .
ولا حتى ماكوندو انجبت كاتبا لا يزال يقرفص في ركن المفرج ببيت جده للآن بينما تصفر الرياح القادمة من كهوف الأبدية على أظلاف النوافذ في الظلام والوحشة .
كأنها رجاح وحدها هي ام طفولة ومخاوف طفولة الوجود وهي من بعد المغرب تستجلب نوم الصغار الخائفين على ايقاع :
يانوم يانامي
يانوم جي
وهات الفراش وهات الدفئ.
في رجاح ولد ابو كلبة الذي يسرق الأطفال المشاغبين ويتهددهم بذيله المزيج من شرور الانسان وبيلوحيا الحيوان .
في رجاح ولدت اسطورة النداهة وصوتها الذي لا سبيل لمقاومته وهي تناديك لحتفك وتغييبك من صعيد مصر الميثلوجيا لرعب ليالي الضياح والجن مجسدة لفكرة الصياد بقرية في ريف إب .
هناك عند مصب السيل في حائرة الماء تواجد امرؤ القيس مطلا على رجاح ومتلصصا على اجساد الفتيات المستحمات ، هناك فحسب بوسعك ترديد : اغرك مني ان حبك قاتلي
وأنك مهما تأمري القلب يفعل
فإن تك قد ساءتك مني خليقة
فسلي ثيابي من ثيابك تنسل
وماذرفت عيناك الا لتضربي
بسهميك في أعشار قلب مقتل
أتشعر في ضياعك وقيضك بلوعتك لربيع ما ومصاب ماء وزهور واعقاب وصدور بضة ترتج ؟ انهه هناك في رجاح
هل خطر لك المشمش والفرسك ؟ اليناعة وفكرة الثمرة ؟ في رجاح .
هل ارتعبت يوما من حشرجة الصياد في الظلام وهي تنيمك او تعمل على تنويمك مغناطيسيا لتسرقك من أمك ؟ ذلك سيحدث لك في منتصف ليل رجاح بين بيت قاسم الزمر والشيخ عبد الله بن احمد تحت الساقية تماما ، في الظلام حيث لا أحد .
في دهاليز واقبية رجاح ولد مصاص الدماء الكونت دراكيولا ، وعند الزوال ولدت كل فاتنة لدنة تفكر في الاستحمام وسيلان الماء بين الكتفين وهوس الشعر الأنثوي المبلل .
رجاح هي الخامة الاولى والعحينة الأساسية ، إنها السديم الاول الذي نبتت منه الكائنات والأساطير ، بين المجران وباب الشغالب تكونت اذيال الكلاب وعلى حواف الطين اليابس نتأت طينة البشر اللازب المتكلس وصلصال الوجود الأول .
وحدها رياح رجاح الليلية توقظ لك الجن وتجسد لك عيون الوعيد والميتافيزيقيا في هبوب عواصف الليل والحكايا الشريرة
على أسوار رجاح فحسب تدرك عظمة وامبراطورية الشخصية اليمنية واليمني الشيخ يبني بيته بمزاج امبراطور روماني يقاوم الاندثار ، حدق في الصورة فحسب وستدرك
لا قرية تجاري رجاح
لا اسوار ولا سواقي ولا رياح توقظ شبقا واستدفاء بأفخاذ النساء السمينات في الليل وتؤججه كما تفعل رياح ليل رجاح .
لا امرأة تشبه قروية رجاح حيث استوطنت قلب هذا الرجل الذي يكتب ويحب امرأته التي ولدت من ذروة الاساطير وموجات الربح .
الثمار والربيع ولقد اقسم الله بالتين والزيتون المتثاقل اليانع على أسوار رجاح ، قرية الحصى في صقيع الليل والاعقاب اللدنة المرفوعة خلف نوافذ البيوت والهجس والتثاؤبات خلف اسوار رجاح .
الماء والمستحمين ولا شيئ يؤجج فكرة الظهيرة الباحثة عن سيلان الماء كما تفعل سواقي وبرك رجاح .
لا كهل مؤمن ويغمغم : وعنت الوجوه للحي القيوم كما كان يغمغم جدي احمد بن محمد ياسين في فجر رجاح .
المنعطفات
مفرق رجاح
النزول بالسيارة
رجاح
لاأعظم ولا أكثر حيوية من أن تومض ولاعتك في الطريق لبيت عمك حيث تنتظرك زوجتك العائدة للتو من مكة .
حيث ولدت يابن ياسين
رجاح الساقية حيث كنت قبل اربعين عاما طفلا قي السادسة من عمرك
رجاح حيث الساقية والقرويات المكتنزات
رجاح سيدنا محمد وانت كل خميس تهتف : غفر الله لك يا سيدنا ولوالديك .
رجاح رجاح مزربة بتفاح
بينه بنات يستاهلين الارواح
ومن هن الفتاة التي تزوجتها بنت قاسم العزي وعرفت معنى ان تسور حياتك بمذاق التفاح
وكأنني آدم
يازوجتي وقصيدتي وحبيبتي
وانت التفاحة التي سقطت بولهها من الجنة .
رجاح
لا تزال الساقية مغمورة بالجص والجفاف .
ولا تزال المصبنات غاسلات الثياب يطلبن لأحدنا ان يرفع ثيابه ويجلس ليصنع لأحدهن سدا للماء .
ولا تزال ديور المشايخ من بني قاسم قائمة غير ان لا أحد في دهاليزها غير الجن ووحشة التحولات حيث لا رعية بعد ولا مشايخ ، حيث ذكريات الشركاء والدساميل التي ماتت تاركة الجن والرعية في سلالمها يبحثون عن تفسير لفكرة الرعية .
رجاح يا جدي احمد بن محمد ياسين
بني قاسم ، انبل رجال ناحية إب ، وأكثر الذكريات التباسا وإشارة لتداعي مفهوم الصراع الطبقي الذي وكأنه حدث لم يحدث .
يابيت جدي ضاع المفتاح وابوابك تبكي على اللي راح .
انا الآن في الجداجد ، السفح الذي تبول على حافته
مقبل حارس قات الشيخ رعبا وقد تناوشته الجن .
سعيد بن احمد بن علي وكنا نسميهة الاشقم وقد آمن بالجن فاختطفوه ذات ليلة ممطرة
الليل موحش ياجد
ونافذة بيتك يطل منها عمي عبظ الولي مزمجرا بصوته الأجش : من هؤلاء يا أخي يا جبريل ، وفي الخلفية ابي بنسخته الأساسية قبل اربعين عاما ، وبينهما كوفية طفل كنته يوما .
جدي احمد
تردد : سبوح قدوس
رب الملائكة والروح
وانا على سفح الجداجد
خائف ومتضرر ووحيد
كيف اقطع الهاوية الى بوابة رجاح و٧ي مسكونة بالهاليز والجن ،
لا تزال في مخاوف طفولتي
إن مضيت اين أنام ؟
وإن تجاسرت كيف اقطع هاوية تؤججها الريح ؟
انا هنا يا جدي
لا طريق لبيتك
ولا طريق للعودة
سأغفو هنا
كما هو قدر الشريد
سأغفو هنا يا احمد بن محمد ياسين
وعندما تذهب لصلاة الفجر ، بوسعك أن تلكزني بقدمك لتوقظ صحفيا لا جهة تسانده ولا جهة يطل منها .
أيفظني ايها الكهل الذي تصفر في نوافذه الريح .
الآن فقط
الآن بوسعي تحوير بيت من قصيدة البردوني
وهو يغمغم :
وجسم بأحضان الجداجد دافئ .
لا أدري
يتبقى منك إيقاع ليس من وعيي الموسيقي بالرثاء ولا هو من ميثولوجيا الراعيات المغنيات
لكنه هو فقط ما يتردد في اعماقي يارجاح :.
عصفور طل من الشباك
وقال لي يانونو
خبيني عندك خبيني
دخلك يانونو .
كنت في السابعة عندما نقلنا أبي إلى الدنوة
في أعالي الجبل ، بنو أبي بيتا في الدنوة
عاد إلى حيث نمى الجذر الأول ، حيث كان الفقي سعيد بن صالح ياسين
الليلة الاخيرة يا ليل الدنوة
ليلتنا الاخيرة يا قريتي وليالي فيروز
هنا فقط ،
هذا المكان من السطح فكرت كثيرا كيف ينسحب الليل على احلام مراهقي القرى
هنا بالتحديد تمام التاسعة من كل مساء في التسعينات كنت اسمع ماجد سرحان وهو يقول : وهذا ماجد سرحان يحييكم من لندن
تزوجت وامضيت السنوات الاولى في المكان الذي لا يكترث الان لرحيلي غدا
هناك قرات مجموعة تشيخوف كاملة وهناك شاركت ديستويفسكي وجعه من مرض ذات الرئة ، في كل ركن تجربة وومضة انسان آمن بالكتب وبالبشر المختلفين ولم اصدق تجارب الحياة يوما
بقيت متمسكا بإشارات وتعاليم الكتب مغفلا شروط حياة قاسية على عودي اللين
الان ، تومض لمبات من سوق المجمعة ، هناك في المجزارة قتل نعمان بن خالتي ، نعمان الذي ارعب المنطقة والتقطته رصاصة وكانت امي من هنا تصرخ : يا قهري عليك يا نعمان
احرقت خالتي محسنة القرى لاجل نعمان المغدور وحيدا يتفحرر في المجزارة وقد قتلوه من الخلف ، ممتلئ قصير محتدم وخزينة مسدسه الروسي ترطع بمقبض الآلي في مشية المكتنز وكأنه يمضي على إيقاع وعود الموت بأمجاد الشجاعة ، كان بطلي الذي بقيت صامتا ومخنوقا بفجيعته حتى صرخت ” ضباع “في مسلسل الزير سالم : واحسرتي عليك يا كليب ، عندها فقط تدفقت دموعي وفكرت في خالتي محسنة وهي تتدفأ بالشمس عمياء وذاك المصب بين انفها وملامحها عريض مثل ساقية تحت انف لبوة جريحة ، وجدت لنعمان ليلا وهزة مسدس في رواية تبادل الهزء. واطلقت عليه اسم ” خالي صالح” في رواية قبل ان اقتل رويدا ، وها انا اقف امام العالم وحيدا في ليل الدنوة بلا ظهر بينما يتضور قلب ابن خالتي وبطلي الفولاذي في المجمعة التي تراني هي الان الى جبا بيتنا وتهمس : نعمان ينازع والالي في الزقاق ،، من هنا تعلمت التحديق في ليالي القرى والاصغاء لحشرجات المولدات الاخيرة ونباح كلب وحيد في شتاء الدنوة
كنت أقاسم الكائنات سحرية العين العاشقة في قلب الظلام ، كان قلبي رطبا وذراعي قاسيا وها انا اتقدم في العمر يا قريتي ولم أعد أجد لي عندك زاوية للسكينة ولا ليلا للتأمل
غدا اسافر يا الدنوة ، احتفظي لي بأي شي جيد قد يجعلك تمنحيني حق العودة يوما حيث أموت بهدوء وبلا صخب .
أذكر وأنت تهمسين في أذني وأنا من هنا أراقب أضواء سيارات نقيل سمارة : اطلع صنعاء ، هناك ستجد طموحك وتجدني في انتظارك ، لا أنا حققت طموحي في صنعاء ولا أنت بقيت كما أنت يا الدنوة ، وبينك وبين صنعاء قلب فتى تمرس باللذات وضل طريقه.
قبلاتي لجدران البيوت يا الدنوة ، لجذوع الساج وللريح في لياليك القارسة.
للأبواب التي صدئت أقفالها على صمت من مات من ساكنيها وعلى صمم المارة في الليل
كنت أهرب منك إلى رجاح ، لكنني وجدت دفئي وشاعريتي في تأججك الليلي يا ” قرية الريح”
الساج يهتز على خيال من ظلال منارة الجامع
الكلب يعوي منذ قرون ، النوافذ والصمت والريح ، أهذا كل الذي تبقى منك؟
غدا سأكون في صنعاء حيث لا ساج ولا جهة للوقوف قبالة الليل ، من هناك سأخبرك كل الذي ينقصني لأظل قرويا في مدينة تتنفس داخلها كل القرى.
مويجات من طرف البرك حق الجامع ،
هكذا وحدي في الليل اخبط على صفحة الماء فتحدث مويجات ، ضفدعة عابرة تحمل صغيرها أو زوجها لا يهم ، وتغوص في الأعماق .
الآن فقط فهمت لماذا كان بيتهوفن يستلقي في سقعة الماء ويحدق في النجوم ، كان يهرب من عنفه الداخلي لتلك المويجات وهي تسحب خوفه وعدائيته من جسده فيطفو على سطح الليل ويتحول لنجمة بعيدة .
تغط الدنوة الآن في تثاؤبات الليل المبهم ، بينما أسرق لوحدتي مويجة من سطح الماء وكأنني أبحث عن الأبدية.
من هنا كنت أقفز وأركض البرك قبل زمن ، وعلى تلك الدرجة كنت أضع ملابسي ، وهناك للأعلى قليلا كنا نتجفف عراة تحت وهج الشمس بلا سراويل ، وكان حارس البركة يستحوذ على ملابسنا فنذهب لمفاوضته لاستردادها ونحن عراة مثل عرادن لوحتها تناوبات البلل والشمس .
مات صالح عبد الرب ، وثمة حمامات جديدة وخزان مياه ، واكتهلت النساء اللواتي كن يشتركن في استجداء ملابسنا من حارس الماء
أنا وحدي الآن ألمح ايماءات وجه السماء معكوسا على الماء ، هنا تتشكل ثلاثية” الموت والماء والقمر” ،
نقيق الضفدعة الوحيدة وتموجات مثل لحن صيني ابتكرته قدم فتاة صغيرة عبثت بسكينة الماء اثناء نوم العائلة ، بينما ألمح في الجانب الآخر ظلال جدي الفقي سعيد يتوضأ ويغمغم وعمامته تتماوج على صفحة الماء :
وعنت الوجوه للحي القيوم ، فلا تسمع إلا همسا.
وقعت على وجهي
يبدو انني نسيت طرقات قريتي
هذا بيت احمد قاسم ، هناك بيت محمد علي
في الجانب الايسر بيت علي الحاج ، المشقار والزهور وشجرة العنب ، ضباب الأربعاء يلامس قبل المغرب حجار بيت علي الحاج
لم أعد اكترث لإدهاش أحد ، كلما هنالك أن الكاتب عاد لقريته ” الدنوة” فقط ليكتشف لعبة الزمن في رواية مارسيل بروست ” البحث عن الزمن المفقود” لم يتبقى أحد من زمن مراهقتي ، شاخت المعلمات وامتلأت أيديهن بالعروق ، ومات الكلب ، ومات مراهق اسمه محمود بن قاسم ، كان يشبهني قليلا ، النخرة ذاتها والجبين والحركات الخرقاء
تأججي أكثر يا ريح ليل الدنوة ، سأنهض في العتمة وأجد الطريق إلى البيت ، حيث تقف أمي على حافة السطح وهي بثوب الصلاة تردد : يا دافع البلاء .
لم اعرف من من الاختين برونتي ألفت رواية مرتفعات ويذرنج لكنني ادركت مبكرا أن مخارج حروف ويذرنج تعني الريح شأن الدنوة التي زرعني فيها أبي لأمضي الليالي غصنا تعبث به الريح
كان هيثكليف قد أهين وعاد ليمتلك مرتفعات ويذرنج وقد ماتت حبيبته فامتلك ابنتها ذات العينين والشفتين
وفي ليلة عاصفة استيقظ هيثكليف على خبط غصن جاف بنافذته
كانت كاترين قد جرحته في الصميم وادركت ان حبيبها لن يعود
ومن حافة المقبرة نادته حبيبته فمضى للموت رفقتها واستراح بينما كانت الاغصان في الليل تخبط نوافذ المرتفعات.