فضاء حر

عدن بين ذاكرة الدولة وعقاب الجغرافيا والتاريخ

يمنات

محمد سعيد حميد

عدن… سيدة البحار وقلب الممرات الخالدة، المدينة التي كانت يوماً عنواناً للريادة المدنية في الجزيرة العربية، تجد نفسها اليوم في مواجهة واحدة من أعقد أزماتها المعيشية والخدمية.

فالمدن ليست مجرد شوارع ومبانٍ وخدمات عامة، بل هي ذاكرة حية تختزن تاريخ الشعوب وأحلامها وانكساراتها. وحين تتعرض مدينة بحجم عدن لهذا القدر من التدهور المعيشي والانهيار الخدمي، فإن القضية تتجاوز حدود الفشل الإداري أو العجز الاقتصادي، لتلامس أسئلة أعمق تتعلق بالسياسة والتاريخ وصراعات الذاكرة.

تعيش عدن اليوم واحدة من أقسى مراحلها في تاريخها الحديث. الكهرباء التي كانت يوماً أحد رموز ريادة عدن المدنية، بوصفها أول مدينة في المنطقة عرفت الكهرباء، أصبحت اليوم سراباً يلاحقه المواطن، والمياه التي كانت تتدفق إلى أحيائها بانتظام غدت شحيحة أو غائبة، والعملة الوطنية تفقد قيمتها بوتيرة متسارعة، فيما يرزح المواطن تحت أعباء معيشية تكاد تسحق ما تبقى من قدرته على الاحتمال. وفي الوقت الذي تتفاقم فيه الأزمات، تبدو المعالجات غائبة، وكأن المدينة تُترك عمداً لتواجه مصيرها وحيدة.  

غير أن قراءة المشهد بمعزل عن سياقه التاريخي والحالي للبلاد بأكملها تبقى قراءة ناقصة. إلا أن لعدن خصوصيتها كرمز وهوية للدولة المدنية التي ينشدها اليمنيون. فعدن ليست مدينة عادية في حسابات المنطقة؛ إنها المدينة التي احتضنت تجربة سياسية مختلفة تمثلت في دولة اليمن الديمقراطية الشعبية، التي اختارت نهجاً اجتماعياً واقتصادياً مغايراً للسائد في محيطها العربي، وكرّست قيم العدالة الاجتماعية والتعليم المجاني والرعاية الصحية العامة، وأرست مداميك الدولة المدنية.

ورغم أن تلك الدولة انتهت رسمياً بقيام الوحدة اليمنية عام 1990، فإن آثار الصراع معها لم تختف تماماً من الذاكرة السياسية لبعض الأطراف المحلية والإقليمية. فما تزال عدن، في نظر كثير من أبنائها، تدفع ثمن موقعها الجغرافي والتاريخي ورمزيتها السياسية، وكأن المدينة تخضع لمحاكمة مؤجلة لتجربة مضى عليها عقود، لا لواقعها الراهن فقط. ومن هنا تنشأ القناعة لدى قطاع واسع من المواطنين بأن ما يجري ليس مجرد إخفاقات عابرة، بل صورة من صور العقاب السياسي غير المعلن، تُستخدم فيها أدوات الاقتصاد والخدمات لإخضاع المجتمع وإضعاف إرادته.

إن أخطر ما في هذا الواقع أنه لا يستهدف حزباً أو تياراً سياسياً بعينه، بل يستهدف الإنسان البسيط الذي لا يملك سوى حقه في الحياة الكريمة. فالطفل الذي ينام تحت وطأة الحر الخانق، والمريض الذي يفتش عن دواء، والطالب الذي يدرس في الظلام وتحت سعير الحر، والعامل الذي تتآكل قيمة أجره كل يوم، لا علاقة لهم بصراعات الماضي ولا بحسابات القوى الإقليمية. ومع ذلك، يجدون أنفسهم أول من يدفع فاتورة تلك الصراعات.

لقد أثبت التاريخ أن المدن لا تُهزم بالجوع ولا بالحرمان، بل تتحول معاناتها إلى جزء من هويتها وذاكرتها الجمعية. وعدن التي قاومت الاستعمار، واحتضنت مشاريع التغيير والبناء، ونجحت في بناء نموذج مدني متقدم في محيطها خلال مراحل مختلفة من تاريخها، ما تزال قادرة على النهوض رغم كل ما يحيط بها من أزمات.

إن إنصاف عدن اليوم، بل واليمن قاطبة، لا يعني الانحياز إلى تجربة سياسية بعينها أو استعادة صراعات الماضي، بل يعني الاعتراف بحق ملايين المواطنين في الخدمات الأساسية والعيش الكريم. فالأوطان لا تُبنى بالثأر من التاريخ، ولا تُدار بعقلية العقاب الجماعي، وإنما تُبنى بالعدالة والتنمية واحترام إرادة المواطن.

وإذا كان الماضي قد شهد خلافات أيديولوجية وصراعات إقليمية حادة، فإن المستقبل ينبغي أن يُصنع بمنطق مختلف؛ منطق ينظر إلى عدن باعتبارها مدينة لكل اليمنيين، ورئةً اقتصادية وثقافية لا يجوز أن تبقى رهينة الحسابات السياسية أو الأحقاد التاريخية. فالأمم التي تحاكم تاريخها بدلاً من التعلم منه، تظل أسيرة الماضي، أما الأمم التي تحول ذاكرتها إلى قوة للبناء، فهي وحدها القادرة على صناعة المستقبل، هذا ما ينبغي أن يدركه اليمنيون قبل غيرهم. وعليهم تقع مسؤولية حل مشاكلهم، ووضع خطوط حمراء للتدخلات الخارجية.

أما أولئك الذين يمسكون اليوم بملف الخدمات ويتعاملون مع معاناة الناس بوصفها ورقة ضغط أو أداة ابتزاز سياسي، فعليهم أن يدركوا أن اللعب بالنار لا ينتهي دائماً عند حدود من أشعلها. فعدن ليست مجرد مدينة يمكن اختبار صبرها إلى ما لا نهاية، وليست مجتمعاً يمكن دفعه باستمرار نحو حافة اليأس دون عواقب. إن استمرار سياسة الإهمال والتجويع والبطش والهيمنة وترك المواطنين فريسة للظلام والعطش والانهيار المعيشي لن يفضي إلى الاستقرار الذي يتوهمه البعض، بل سيولد مزيداً من الاحتقان والغضب، وقد يمتد شرره إلى الجميع دون استثناء. والتاريخ يعلمنا أن الشعوب قد تصبر طويلاً، لكنها حين تبلغ نهاية قدرتها على الاحتمال تصبح نتائج الانفجار خارج حسابات من صنعوا أسبابه. ومن الحكمة، قبل فوات الأوان، أن يُنصت أصحاب القرار إلى أنين المدينة، وأن يدركوا أن إنقاذ عدن ليس منّةً على أهلها، بل واجب ومسؤولية، وأن النار التي تُترك لتلتهم أحلام الناس ومعيشتهم لن تبقى حبيسة المكان الذي أُضرمت فيه، بل ستمتد آثارها إلى كل من ظن أنه بمنأى عن لهيبها.

زر الذهاب إلى الأعلى
Your request was blocked.