أهم الأخبارالعرض في الرئيسةفضاء حر

وداعًا إكسيد … لم يكن قرارًا سهلاً

يمنات

محمد المخلافي

في أحد أيام شهر ديسمبر من عام 2014، قرابة الساعة العاشرة صباحًا، كنت مستلقيًا على الفراش منهمكًا في قراءة رواية (الشيخ والبحر) للكاتب الأمريكي إرنست همنغواي، الحاصل على جائزة نوبل، ولم يكن في البيت سواي، حين رن هاتفي المحمول. أجبت على المكالمة.

— ألو.
— ألو، معك معهد إكسيد.. أنت محمد المخلافي؟
— نعم.
ثم نهضتُ بسرعة.
— لقد تم قبولك في معهد إكسيد.
شكرته وأنا بالكاد أستوعب الخبر.

كانت فرحتي لا توصف. كنت أتنقل بين الغرف والصالة و أردد: (الحمد لله.. الحمد لله). لقد تم قبولي في معهد إكسيد، وأصبحت مدرسًا في أحد أفضل معاهد تعليم اللغة الإنجليزية في اليمن.

وفي ذلك اليوم، عندما عادت أسرتي إلى البيت، أخبرتهم بذلك، فغمرتهم بهجة عارمة. احتفلنا معًا بالخروج إلى المطعم، ثم إلى الحديقة، في لحظاتٍ غامرة بالسعادة، ما زلنا نستشعر دفأها حتى الآن.

جاء ذلك بعد سلسلة من الامتحانات والمقابلات. وما زلت أذكر أول يوم لي هناك؛ كنت أحدق في المكان. ثلاثة مبانٍ، يتكون كل منها من خمسة طوابق، داخل حوش واسع تتخلله أشجار خضراء مرتبة بعناية، ومساحات مخصصة لألعاب الطاولة وكرة السلة وأنشطة رياضية أخرى، إضافة إلى بوفيه، ومصلى للطلاب، وآخر للطالبات.

كان الحوش والممرات مكتظًّا بالطلاب، كانوا يتحدثون الإنجليزية في أجواء أوحت لي للحظة أنني خارج اليمن، في مكان آخر تمامًا.

عند السابعة صباحًا كان يومي يبدأ. أخرج من شقتي القريبة من مبنى جامعة صنعاء القديمة متجهًا إلى المعهد في شارع الجزائر. أمشي قرابة نصف ساعة كل يوم، وكانت هذه المسافة جزءًا من روتيني اليومي. أمشي بهدوء، وأضع سماعاتي؛ أستمع أحيانًا إلى محاضرات باللغة الإنجليزية، وتارةً أستعيد في ذهني مسودات لمقالات أحاول كتابتها. في هذا الوقت يكون ذهني أكثر هدوءًا، قبل أن يبدأ ضغط العمل.

أصل إلى المعهد قبل بدء الدوام بنصف ساعة. أتجه أولًا إلى بوفية منير المحاذية للمعهد، أتناول فطوري وأدردش قليلًا مع ياسر ومنير، وكانت أحاديثنا تدور غالبًا حول أوضاع البلاد وما تمر به من ظروف.

ومع اقتراب الثامنة والنصف، أكون في غرفة المدرسين أجهز الأنشطة الخاصة بالدروس، وأستلم ما أعدته الإدارة من مواد تعليمية، ثم أتجه إلى الفصل، حيث يبدأ الجزء الأكثر حياة في يومي.

في قاعة التدريس كنت أجد شغفي الحقيقي. هناك تتلاشى همومي، وأشعر بسعادة صادقة حين أرى طلابي يتفاعلون معي ويفهمون الدرس، ويخطون خطوة جديدة في تعلمهم. وبهذا كنت أقضي يومي حتى الرابعة والربع عصرا.

كنا نتقاضى رواتب مجزية بالدولار الأمريكي، ودرستُ قرابة ثلاثة أترام، حتى بدأت الحرب، وأُغلق المعهد قرابة سبعة أشهر دون رواتب، واكتفينا بسلفة بسيطة لتسيير أمورنا. ثم عدنا من جديد بنفس النشاط والهمة، لنفاجأ لاحقًا بقرار صرف الرواتب بالريال اليمني بدلًا من الدولار، وبسعر 250 ريالًا للدولار الواحد في المعاهد والجامعات الحكومية والخاصة.

واصل المعهد مسيرته التعليمية بتميّز، مقدمًا أفضل المناهج، ومواكبًا لتطوير المدرسين وتدريبهم على أحدث الأساليب التربوية.

كنا كطاقم تدريس نخضع لتدريب شهري منتظم، مع تقييم دقيق ومستمر للأداء. كما أعدّ المعهد مواد مساندة إلى جانب المنهج، تساعد الطلاب على تطوير مهارات الاستماع والتحدث والقراءة والكتابة، مع تركيز خاص على مهارتي الاستماع والتحدث باعتبارهما الأساس. وكان هناك أيضًا نظام تقييم نصف سنوي تُمنح فيه جوائز مالية في أجواء تنافسية تهدف إلى رفع مستوى الأداء.

ورغم الظروف الصعبة التي تمر بها البلاد، ظل معهد إكسيد متماسكًا بفضل إدارته الحكيمة، مستمرًا في أداء رسالته التعليمية، محافظًا على مستواه الذي عُرف به.

في نهاية عام 2022، حصلت على فرصة عمل خارج البلاد، فأُضطريت لتقديم استقالتي. أذكر حينها أن مديرة المعهد قالت لي: أتمنى لك مستقبلًا أفضل وحياة أجمل، وإكسيد مفتوح لك في أي وقت. شكرتها وأثنيت على لطفها وكرمها وحسن تعاملها.

سافرت، لكن شاءت الأقدار أن أعود بعد فترة قصيرة. عدت إلى إكسيد بعد استقالتي، تواصلت مع المديرة ورتّبت وضعي، وعدت لممارسة عملي كما في السابق وبنفس الامتيازات. كل الشكر والتقدير لها.

لكن في السنوات الأخيرة، وتحديدًا هذا العام، تأزم الوضع بشكل كبير. وحاول المعهد البحث عن حلول تضمن استمرار العملية التعليمية بنفس المستوى، مع الحفاظ على الموظفين في وظائفهم في ظل صعوبة إيجاد بدائل عمل. وقد اضطر في سبيل ذلك إلى تخفيض رواتب الموظفين، كإجراء صعب لكنه كان ضروريًا لضمان الاستمرار.

كان الترم الماضي، قبل أسبوعين تقريبًا، آخر أيامي في إكسيد. قدمت استقالتي وأنا أشعر بثقل الحزن داخلي. هذه المؤسسة التعليمية الكبيرة التي تخرج منها الآلاف، وأصبح كثير منهم اليوم في مناصب مرموقة داخل اليمن وخارجه، غادرتها رغمًا عني، بعدما أصبحت الحياة لا تُحتمل.

حتى أنني لم أتمكن من توديع كثير من الزملاء، فبعض الوداعات تُثقل القلب. في آخر يوم لي، كنت أنا وزميلي الأستاذ أحمد القلذي ننزل درج مبنى أستانفورد. توقّفت لوهلة، وسألتُه وأنا أرمق الدرج الممتد:

(يا ترى كم خطوة صعدت ونزلتُ هذه الدرج طوال سنوات عملي؟) واليوم.. هذه آخر خطواتي هنا.

لم يجب، لكن الصمت كان أبلغ من أي كلام، وكأن الدرج نفسه يشاركنا الوداع الأخير.

ولا بد لي هنا من أن أتوجه بالشكر لإدارة معهد إكسيد، كلٌّ باسمه وصفته، على تعاملهم الراقي ودعمهم المستمر وتعاونهم معنا طوال فترة عملي معهم. كانوا قريبين منا دائمًا، لدرجة أننا لم نشعر يومًا بأن هناك فاصلاً بين مدير وموظف، بل كنا كأننا أسرة واحدة تعمل لهدف واحد. قرابة اثني عشر عامًا كانت من أجمل أيام حياتي، تعلمت خلالها الكثير واكتسبت مهارات وخبرات في طرق التدريس، مما يجعلني دائمًا أفتخر بأنني كنت ضمن طاقم التدريس في هذه المؤسسة التعليمية العريقة.

ولا أنسى هنا عمال المعهد الذين كانوا جزءًا من تفاصيل المكان. تراهم في الصباح الباكر يهيئون الممرات والقاعات، ويحافظون على نظافة المكان وتنظيمه بهدوء وإخلاص. كنت أقضي بعض الوقت معهم، لا تخلو أحاديثنا من الألفة والود، ومع مرور السنوات ظلوا جزءًا من ذاكرة المكان التي لا تُنسى.

نحن في بلدٍ يجد فيه الإنسان نفسه، بعد منتصف الأربعين، عاجزًا عن توفير أبسط احتياجات أسرته، وغير قادر على الوفاء بالتزاماته تجاه الآخرين… ويبقى كل ما تبقى منه صبرٌ طويلٌ على ما لا يُحتمل.

زر الذهاب إلى الأعلى
Your request was blocked.