من تابوت الإمامة إلى أكفان الجمهورية

يمنات
اماني محمد
الذي يحب سبتمبر حقاً هو من يشهر مشرط النقد في وجه انحراف مسارها، فالتصفيق فوق جثث الأحرار جريمة لا تُغفر.
لا يجب تحصين سبتمبر من النقد بحجة قدسيته
فالثورة في جوهرها الدستوري والسياسي ليست “تابوهاً” مقدساً يُستعبد العقل دونه، بل هي عقد اجتماعي متجدد يُقاس نجاحه حصراً بمدى قدرته على تحقيق غاياته الكبرى: سيادة القانون، المواطنة المتساوية، وصون كرامة الإنسان.
وفي خندق المصفقين، لا نرى سوى وجهين كالحين إما إنسانٌ غيّب الوعي بصيرته، فصار رهينةً لطقوس التنويم السياسي التي صاغها دجاجلة التسويات تحت مظلة وصاية الخارج.. وإما منتفعٌ حقير، التوت أهدافه وباع ضميره، فوظّف صوته للتهليل على أطلال الوطن مقابل فتاتٍ يلقيه إليه سماسرة الخراب!
كيف لنا أن نزف الجمهورية كعروسٍ مرتاحة، وهي معلقة بين مطرقة سماسرة المنافي وسندان الاستبداد الداخلي؟!
على أيّ شيء نتبادل التهاني في 26 من سبتمبر، وأيّ وجه للجمهورية نتلمسه بعد “64” عاماً من الخراب؟!
هل لأننا أزلنا سجن الإمام الواحِد لنستبدله بألف زنزانة وقيد؟!
إن كان عهد الإمام سجنًا أغلقه الأحرار، فأخبرونا: ما اسم الدولة التي تترك مواطنها يصارع الموت جوعاً على عتبات “الجمهورية”؟!
التهرب إلى الماضي لإدانته لا يعفي أحداً من جرائم الحاضر. الثورة الحقيقية لم تُقم لنكتفي بالقول إننا لسنا في عهد الإمام، بل لنعيش في دولة قانونٍ وعدالة.. واليوم، إن اختلف اسم السجان، فإن زنزانات القهر والفقر والحرمان تتسع لتضم وطناً بأكمله!
لكن المفارقة المؤلمة أننا، بعد كل هذه العقود، لا زلنا نقاتل من أجل أبسط بديهيات الدولة، ونتحسر على حلم المواطنة المتساوية، وكأننا لم نغادر المحطة الأولى!
إن حب سبتمبر الحقيقي لا يكون بالتغاضي عن عورات المسار، بل بمواجهتها بلا خوف. فالتصفيق في زمن الوجع العام جريمة بحق الحقيقة، ومشاركة صريحة في إعادة إنتاج الاستبداد.
نعيش اليوم في سجون متعددة ….
سجن غياب العدالة والمواطنة المتساوية
سجن النفوذ والوساطة
سجن الكفاءات المهدرة
سجن الحرمان المعيشي
سجن الإتاوات والجبايات
سجن الرواتب المقطوعة والتجويع المتعمد
سجن امتيازات طبقة اللصوص
سجن المظلوميات المؤجلة
سجن غياب الرعاية الصحية
سجن تكميم الأفواه
سجن انعدام الخدمات الأساسية
سجن الجغرافيا الممزقة
سجن الشتات والنزوح الداخلي والخارجي
سجن الجواز المهان
سجن التعليم المنكوب
سجن الانقسام المؤسسي
سجن الوصاية والتبعية الخارجية
سجن الانقسام المؤسسي
سجن غياب الأمان الاجتماعي والتقاعد
سجن الأمل الموصد
سجن التنويم المغناطيسي السياسي
سجن الحقد والكراهية
سجن المناطقية والحزبية والمذهبية
آلاف السجون والأختلالات لا يسعني حصرها كلها
بعد كل هذه بأي وجه ترفعوا تهاني المناسبات وتطلبون منا التصفيق لجمهوريةٍ أكل لصوصها لحم أبنائها؟! الوفاء الحقيقي هو أن تحطموا هذه السجون لا أن تصفقوا لسجانها!
أنا الآن، وفي هذه اللحظة، أقبع في أشد السجون ضراوة؛ سجن الهمّ الضاجّ، حيث يقف العقل عاجزاً أمام معادلة البقاء: كيف لي أن أدبر ثمن فطور الصباح، ومائتي ريالٍ تضمن لي حق المواصلات إلى المعهد؟! هذا، والله، هو أفظع السجون وأعظمها تنكيلاً بالروح.
«وهناك آلاف الشباب في ريعان العمر، من حملة الشهادات العليا الذين أكل الدهر من عزمهم وشرب حتى حطّمهم العوز؛ فإذا نظرت إلى وجوههم المتهدجة، ورأيت تعرجات الفاقة التي حفرها الجوع، واشتعال الشيب الباكر في رؤوسهم، ظننتهم شيوخاً بلغوا من الكبر عتيّاً، تراهم يجمعون العلب الفارغة من قارعة الطريق، يقتاتون على إهانة الواقع، بينما تجار الشعارات يتبادلون أنخاب الخراب في منافي الرفاه!
“ما أشبه ثورة 26 سبتمبر بامرأةٍ عايلها ألم الولادة، فوضعت ولدها وماتت.. بينما نشأ هذا الولد على حليب ‘سماسرة الحروب وعُقم التسويات’، فرضع لُبانة الوصاية والخراب، وغدا عبداً لأدوات النفوذ التي أعادت تدوير عقلية الإمامة والكهنوت ومشاريع الوصاية الإقليمية والدولية، لكن هذه المرة بثوبٍ جمهوري مزيف!”
إن الوفاء الحقيقي لثورة الأحرار لا يكمن في إشعال الشموع على أطلال الجمهورية، ولا في ترديد الأناشيد فوق جثث المعذبين، بل في الشجاعة المطلقة لكسر هذه السجون وتحرير الإنسان.