أدب وفن

حين لم نعد ننتظر

يمنات

ربا رباعي – الأردن

لم نقف أمام المرآة ونكتشف ذات صباح فجأةً أننا أصبحنا أشخاصًا آخرين.

مضت الأيام ومرت دون توقف، وكانت تلك أغرب التحولات التي تصيب القلب؛ أن يتوقف عن ترقب شيء كان بانتظاره ذات يوم، لعله يحدث تغييرًا ولو ليوم كامل.

ترقبنا أنفسنا لعلنا تحدثنا بكلمات لم نقلها بعد، أو تعقبنا طرقًا كادت تشبهنا من قريب.

كان الانتظار متعبًا، ولحظات الصمت قاتلة، ووجوم يفتش عن حيرة أسئلة في دواخلنا، نريد أن تجد لها إجابات مقنعة. هناك جمل وعبارات ثقيلة معلقة بين القلب والذاكرة، ويمضي ذلك الوقت الذي تصبح فيه ثقيلة لإخراجها.

وهناك كلمات كبرت معنا ولا يمكن أن تنتهي صلاحيتها، فنعود بأدراجنا نحو الماضي، ونكتشف أننا تغيرنا نحن من الداخل، وماضينا ضيّق أحلامنا القديمة على أدراجنا.

بتنا نقف بذاك المكان الذي يحوي أصوات ماضينا ويحمل رائحة ذكرياتنا، وكأنه يوقظ تلك الطفولة ويلملم شتات أجزاء من أعمارنا وأصوات عبرت حياتنا، مرت بزمن غريب وابتسم لنا. بعض الأشياء تغادرنا، لكن شيئًا من حضورها يترك أثرًا فينا، في كلماتنا أو اختياراتنا.

حتى في الأمور التي أصبحنا نبحث عنها في الآخرين، نستعيد القرب القديم، ونعلم أنه ما زال حاضرًا فينا.

قد يبدو في مكان يسكن بداخلنا، تمر السنوات ونكتشف أن أيامًا مضت وما زالت تروينا بذكريات تنعش لحظة حنين تلامس ضجيج أحلام أثارت طرق الرحيل فينا وغادرت، ثم تنعطف خطواتنا لنتعلم الانتظار ويهدأ ضوضاء العالم، لنكتشف أن هناك بعض الذكريات التي رسمناها بصغرنا لا بد أن نحتفظ بها؛ لأنها نسختنا القديمة، وربما تشبهنا اليوم، وضعت آمالها وآلامها بلحظات قسوة تعايشت معها، لقلة دراية نحملها اليوم، لكنها كانت شفافة وصادقة. ربما لم يختفِ عنا، فقد حمل بعضًا من أحلامنا، وأسئلة بدأنا نعثر عن إجاباتها، وتعثرنا بخطواتنا لنصل إلى أهدافنا.

علينا ألا نكره الطريق الذي سلكناه في ماضينا، وإن أخطأنا. قد نخرج من حياة بعضنا، لكنه رحيل بسيط يترك أثرًا بغيابه، ذاك الغياب الحاضر بدواخلنا. يتحول إلى حنين، ذكرى، جملة، عادة.

ما يتغير فينا هو ذاك الضجيج الذي بداخلنا، أو تلك الفوضى التي تكرر الحكاية نفسها حتى نمل تكرارها. وقد يكاد أيضًا ذاك الذي أرهق ما منح أيامنا شكلها التي بعدت عن المنغصات، فأصبحنا نود التغيير لنشتاق إلى أنفسنا التي احتفظت بروح توالدت أفكارنا بدواخلنا، وتساءلت ببطء، كادت تشبهنا، تلك النسخة القديمة فينا… وتمضي الأيام بخطاها لتحقيق أمانينا.

زر الذهاب إلى الأعلى