سياسيون يحملون الدكتوراه ويديرون الدولة بعقلية القبيلة

يمنات
زكريا نمر
في افريقيا، قد يحمل السياسي شهادة جامعية من جامعة محترمة، ويتحدث عن الديمقراطية بلغة اكاديمية، ويعرف الفرق بين النظام الرئاسي والبرلماني، ويحفظ مواد الدستور، ثم يعود الى بلده ليمارس السياسة بعقلية الزعيم والقبيلة والولاء الشخصي.كأن الجامعة علمته كيف يتحدث عن الدولة، ولم تعلمه كيف يعيش داخلها.هذه ليست مشكلة نقص في التعليم فقط. انها مشكلة أعمق تتعلق بما يحدث للعقل عندما يدخل الى نظام سياسي قائم على الولاءات والمصالح الشخصية.يمكن ان يدرس السياسي تاريخ الديمقراطية في الكتب، ثم يرفض نتائجها عندما لا تخدمه.
يمكن ان يدرس القانون سنوات، ثم يبحث عن استثناء يسمح له بتجاوزه.يمكن ان يتحدث عن المواطنة، ثم يخاطب الناس على اساس القبيلة والمنطقة.يمكن ان يدافع عن المؤسسات عندما يكون خارج السلطة، ثم يحاول اخضاعها عندما يصبح داخلها. وتصبح الشهادة شيئا منفصلا عن صاحبها ورقة تثبت انه درس، لكنها لا تثبت انه تغير.وهذا هو السؤال الذي يجب ان يزعج النخب السياسية في القارة: ماذا بقي من تعليمك عندما وصلت الى السلطة؟.لان التعليم الحقيقي لا يظهر عندما تجيب عن سؤال في قاعة الامتحان. يظهر عندما تصبح لديك القدرة على استخدام السلطة ضد خصمك، ثم تختار احترام القانون.يظهر عندما تستطيع اسكات صحفي، ثم تتركه يتحدث.يظهر عندما تستطيع استخدام الدولة لمصلحة جماعتك، ثم ترفض ذلك.يظهر عندما تستطيع تعديل القواعد لمصلحتك، ثم تقبل ان تخضع لها.ويظهر عندما تخسر السلطة وتغادرها دون ان تعتبر الدولة قد سقطت بخروجك.هذه هي النقطة التي لا تستطيع الشهادة الجامعية الاجابة عنها.
في كثير من المجتمعات الافريقية، لم تختف العلاقات القبلية والاجتماعية بمجرد دخول التعليم الحديث. بل انتقلت بعض هذه العلاقات الى داخل المؤسسات الحديثة.الجامعة حديثة، لكن شبكة العلاقات قديمة.الدستور حديث، لكن طريقة توزيع النفوذ قديمة.البرلمان حديث، لكن الولاء الشخصي قد يكون اقوى من البرنامج السياسي.الانتخابات حديثة، لكن بعض الحملات ما زالت تخاطب الناس باعتبارهم جماعات قبلية ومناطقية.وهكذا يمكن للدولة ان ترتدي ملابس حديثة، بينما تعمل بعقلية قديمة.لا يعني ذلك ان القبيلة هي سبب كل مشكلات افريقيا. هذا تبسيط لا يساعد على فهم الواقع. القبيلة يمكن ان تكون اطارا اجتماعيا وثقافيا طبيعيا، لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول الهوية الاجتماعية الى معيار للحصول على السلطة والوظيفة والموارد والعدالة.
عندها لا يعود السؤال: من هو الاكثر كفاءة؟ يصبح السؤال: من ينتمي الى جماعتي؟.ويخسر التعليم معركة صعبة.لان الشاب الذي قضى سنوات في الجامعة ليتعلم ان الوظيفة العامة يجب ان تقوم على الكفاءة، قد يدخل سوق العمل ليكتشف ان علاقاته السياسية اهم من شهادته.والذي تعلم ان المواطن متساو امام القانون قد يرى ان النفوذ يختصر الطريق.والذي درس ان الدولة ملك للجميع قد يرى موارد الدولة موزعة وفق علاقات سياسية. في مثل هذه البيئة، يمكن ان تتحول الجامعة الى محطة مؤقتة قبل العودة الى الواقع القديم.والسياسي المتعلم قد يصبح اكثر خطورة على الاصلاح اذا استخدم معرفته ليس لبناء المؤسسات، بل لفهم كيفية السيطرة عليها.هو يعرف كيف يصوغ الخطاب يعرف كيف يتحدث عن الديمقراطية يعرف كيف يكتب بيانا سياسيا يعرف كيف يستخدم مفردات حقوق الانسان.ويعرف ايضا كيف يجعل النظام القديم يبدو حديثا.قد تتغير الكلمات بينما لا يتغير السلوك الديمقراطية في الخطاب المحسوبية في التعيينات المواطنة في الخطب. الولاء القبلي في الممارسة دولة المؤسسات في المؤتمرات.سلطة الاشخاص في الواقع.وهكذا يصبح السياسي بارعا في الحديث عن الدولة، لكنه عاجز عن الخروج من ظل الجماعة التي جاءت به الى السلطة.
جنوب السودان يقدم سؤالا شديد الاهمية في هذا السياق، ليس لان مشكلته يمكن اختزالها في التعليم، بل لان تجربة بناء الدولة بعد الاستقلال تضع النخب امام انتقال صعب من تاريخ طويل من الحركة المسلحة والحرب الى دولة تقوم على المؤسسات والقانون والمواطنة.الانتقال من قائد الحركة الى مسؤول الدولة ليس مجرد تغيير في المكتب.انه تغيير في طريقة التفكير.في الحركة، قد يكون الولاء ضروريا للبقاء.اما الدولة، فتحتاج الى مؤسسات لا تعتمد على الولاء الشخصي.في الحركة، يمكن ان يكون القائد رمزا للنضال.اما الدولة، فالقائد موظف عام يخضع للقانون.في الحركة، قد يكون الاختلاف الداخلي خطرا على وحدة التنظيم.اما الدولة، فالاختلاف السياسي جزء من الحياة العامة.اذا لم يحدث هذا الانتقال، يمكن للنخبة المتعلمة ان تحمل معها قواعد الماضي الى مؤسسات الحاضر.وهذا ليس خاصا بجنوب السودان. بدرجات مختلفة، يمكن رؤية التوتر بين الدولة الحديثة وشبكات الولاء السياسي في تجارب افريقية متعددة.لهذا فان السؤال عن التعليم يجب ان يتغير.لا تسأل فقط: كم جامعة لدينا؟.اسأل: ماذا يفعل خريجو الجامعات عندما يصلون الى السلطة؟.لا تسأل فقط: كم عدد حملة الدكتوراه في البرلمان؟ اسأل: هل يقبلون الرقابة؟ لا تسأل فقط: كم وزيرا درس في الخارج؟ اسأل: هل عاد بفكرة دولة مختلفة، ام عاد بشهادة جديدة لممارسة السياسة القديمة؟ لا تسأل فقط: هل السياسي يعرف الديمقراطية؟ اسأل: هل يقبل ان تعمل الديمقراطية ضده؟ هذه الاسئلة اكثر اهمية من عدد الشهادات المعلقة على جدران مكاتب المسؤولين.لان الدولة لا تصبح حديثة بمجرد ان يتحدث مسؤولوها بلغة حديثة.
الدولة تصبح حديثة عندما يصبح القانون اقوى من العلاقات، والمؤسسة اقوى من الشخص، والمواطنة اقوى من الانتماء السياسي والقبلي، والانتخابات وسيلة لتغيير السلطة لا وسيلة لتجديدها فقط.التعليم يستطيع ان يفتح عقل الانسان.لكن السياسة تستطيع ان تغلقه مرة اخرى.ولهذا فان اصلاح التعليم وحده لن يحل المشكلة.يجب ان يتغير النظام الذي يستقبل المتعلم بعد تخرجه.يجب ان يعرف السياسي ان مخالفة القانون لها ثمن.ويجب ان يعرف المسؤول ان الصحافة تستطيع مساءلته. ويجب ان يعرف الحزب ان خسارة الانتخابات لا تعني نهاية الدولة.ويجب ان يعرف المواطن ان صوته لا ينتهي بمجرد انتهاء يوم الاقتراع.اما اذا تخرج الطالب ليجد ان مستقبله مرتبط بولائه، وان الوظيفة مرتبطة بعلاقاته، وان السلطة لا تستمع الا لمن يملك نفوذا، فمن الصعب ان نطلب منه وحده تغيير المجتمع.المشكلة في الدولة التي تستقبل خريج الجامعة وتقول له: انس ما تعلمته، هنا تعمل القواعد القديمة.ولهذا فان اخطر سؤال يمكن ان تطرحه افريقيا على نخبتها السياسية ليس: اين درست؟.فاذا كانت الشهادة قد غيرت لغتك فقط، ولم تغير علاقتك بالسلطة والقانون والمواطن، فقد تعلمت كيف تتحدث مثل رجل دولة، لا كيف تكون رجل دولة.وقد تكون افريقيا مليئة بالسياسيين الذين يعرفون كيف يتحدثون عن الدولة.لكن معركة بناء الدولة تبدأ عندما يصبح الكلام عن المؤسسات اقل اهمية من الخضوع لها.فالجامعة تمنح الشهادة، لكن السلطة تكشف حقيقة ما تعلمه صاحبها.
من صفحة الكاتب على الفيسبوك