«خارج التغطية»: حين تُباع السيادة الرقمية على مائدة الهيمنة ونفوذ الفساد

يمنات
اماني محمد
التبعية الرقمية ليست مجرد “تأخر تقني”، بل هي سلاح استراتيجي صامت يُستخدم لتدجين الدول وربط مقدراتها بحبل سري لا يمكن قطعه إلا بإرادة سياسية جادة، واكتفاء ذاتي تقني، وحماية حقيقية للمبدعين والعقول الوطنية من مقصلة التجاهل والتآمر.
إن الحديث عن التبعية الرقمية ليس ترفاً نظرياً، بل هو الغلاف الخفي لمعركة السيادة الكبرى؛ فما جرى قبل عام ٢٠١١م من وأدٍ لتجربة المنصة الشبابية اليمنية الواعدة اودل– التي كادت أن تتجاوز “فيسبوك” وتؤسس لاستقلالنا الرقمي – لم يكن مجرد عثرة تقنية عابرة، بل كان جزءاً من نسق متكامل تفرضه قوى الهيمنة الغربية، وتتواطأ معه أدوات الداخل.
حين نطرح سؤال هل يفرض الفضاء الرقمي قيوداً وعقوبات تكرس التبعية تماماً كصناعة السلاح؟ تأتي الإجابة صارخة؛ فالتكنولوجيا اليوم ليست مجرد أدوات تواصل، بل هي سلاح استراتيجي يُدير وعي الأمم ويراقب حركتها.
وكما تُحرم الدول النامية من امتلاك مقدرات الردع العسكري، فإنها تُحرم عمداً من “السيادة الرقمية” عبر بنية تحتية مغلقة، واحتكار تقني، وحصار ذكي يغتال أي مبادرة وطنية ناشئة.
وحين تلتقي “أيديولوجيا الاستغلال والهيمنة الخارجية” مع “عجز الجغرافيا والفساد الداخلي”، تتضح مفارقة المشهد اليمني بأكمله:
داخلياً: أبت قوى النفوذ وهوامير الفساد أن تترك حلم الاستقلال الرقمي يزهر، فألقت به خلف ظهورهم، وتركت بيانات شعوبنا لقمة سائغة للاستخبارات الأجنبية، نزولاً عند رغبة الشركات الكبرى التي سارعت لاجتثاث البديل الوطني من جذوره.
خارجياً: يُعاد إنتاج هذه التبعية المطلقة لتبقي بلادنا ودول المنطقة “خارج التغطية” الفعلية لمستقبل صناعة القرار التكنولوجي والمعرفي، حيث استشعرت الشركات العابرة للقارات خطر هذا الوعي الناشئ على مركزيتها المعلوماتية، فسارعت إلى استحواذٍ واجتثاثٍ قسري يُنهي التجربة، ويضمن بقاء مجتمعاتنا مجرد مستهلكين للبيانات لا صنّاعاً لها.
من هنا، فإن معركة استعادة الوعي، وبناء الدولة، وتثبيت أركان المواطنة الحقة، تبدأ حتماً من كسر قيود التبعية الرقمية والفكريـة؛ فالتنمية الحقيقية والاستقلال الناجز لا يمكن أن يتقاطعا مع عقلية تفرط بمقدرات أبنائها، ولا مع نظام عالمي يراد له أن يظل مسيطراً على مفاتيح وعينا ووجودنا.