فضاء حر

نحو معركة الوجود الأولى.. لماذا يقف «مركز حُلول» خلف «المبادرة الوطنية لإعادة بناء التعليم» في اليمن؟

يمنات

المستشار مهدي يحيى الغويدي*

حين تضيق الحلقات وتتداخل أزمات الوطن، تميل الأنظار عادةً إلى معالجة العوارض الظاهرية للصراع، ناسين أو متناسين أن القاعدة الصلبة التي تُبنى عليها الأمم وتُستعاد بها الدول هي «الإنسان»، وأن رأس المال البشري لا يمكن أن ينمو أو يصمد إذا ما تعرضت جذوره لعملية تجريف ممنهج. ومن هنا، من قلب الميدان التربوي ومعايشتنا اليومية لهموم المعلمين وأولياء الأمور والطلاب في اليمن، نؤكد في مركز حُلول للدراسات والاستشارات أن معركة إنقاذ التعليم اليوم لم تعد ترفاً فكرياً ولا مبادرة بروتوكولية، بل هي معركة الوجود الأولى التي يتحدد على إثرها مصير جيل بأكمله ومستقبل وطن بأكمله.

انطلاقاً من هذه المسؤولية الوطنية والأخلاقية، نعلن في مركز حُلول دعمنا المطلق وتأييدنا الكامل لـ«المبادرة الوطنية لإعادة بناء التعليم في اليمن»؛ هذا التجمع الوطني المستقل الذي يلتئم خارج أطر الصراع والتجاذبات الحزبية، ليجمع نخبة من الأكاديميين والتربويين وقيادات الفكر والمال والوجاهات الاجتماعية تحت سقف وطني جامع وهدف نبيل واحد: إنقاذ مقعد الدراسة وإعادة الاعتبار للمدرسة اليمنية.

جرس إنذار: أرقام لا تحتمل التريث

إن القراءة الموضوعية لواقعنا التعليمي تكشف عن مأساة حقيقية تهدد بتفكيك النسيج الاجتماعي والأخلاقي للبلاد. فأمام أرقام توثق خروج أكثر من 4.5 مليون طفل من المدارس، وبقاء ثلثي الكادر التربوي بلا رواتب منتظمة لسنوات، وعجز 95% من طلاب الصفوف الأولى عن القراءة والفهم الأساسي، لا يمكن لأي ضمير حي أن يقف متفرجاً. إن هذه المؤشرات لا تعبر فقط عن انهيار إداري، بل تنذر بكارثة جيلية تتمثل في ضياع فرص الحياة والتعايش، واتساع فجوة الطبقية التعليمية، والعزلة التقنية القاتلة عن عالم يتسارع بخطى جنونية نحو الذكاء الاصطناعي ومعارف المستقبل.

مرتكزات الاستجابة: لماذا نؤيد هذه المبادرة؟

إن تأييدنا ودعمنا لهذه المبادرة الوطنية لا ينبع من فراغ، بل يستند إلى تقاطعها التام مع الرؤية والمنهجية التي نؤمن بها ونعمل عليها في مركز حُلول، وتتلخص في المرتكزات الآتية:

الاستقلال التام والحياد الإنساني: إيماننا بأن التعليم حق إنساني مقدس يجب أن يُعزل تماماً عن أية أيديولوجيات أو صراعات سياسية أو مذهبية، ليبقى فضاءً خالصاً لبناء وعي الطفل اليمني وتعزيز قيم المواطنة المتساوية والتعايش.

الانتصار لمعلم الأجيال: نؤمن تماماً بأن استعادة كرامة المعلم اليمني وضمان استقراره المعيشي والمهني هما حجر الزاوية والمدخل الحقيقي لأي تعافٍ مستدام، فلا تعليم بلا معلم، ولا معلم بلا كرامة وأمان اقتصادي.

الحصانة المعرفية ومحورية الطالب: مواجهة جمود المناهج وتسييسها من خلال تطوير محتوى يحمي الهوية الوطنية الجامعة، وينمّي مهارات التفكير النقدي والمساءلة العلمية، بما يحصّن الناشئة ضد الاستقطاب الفكري والانغلاق.

الكفاءة وحلول المحدودية: إدراكنا العميق بأن ظروف البلد تفرض علينا البحث عن بدائل ذكية ومنخفضة التكلفة، قادرة على تحقيق أثر ملموس بأقل الإمكانات، والاستفادة القصوى من الخبرات الوطنية المتراكمة.

اللامركزية المرنة والشراكة المجتمعية: دعم نهج الإدارة المرنة التي تستجيب لخصوصيات الميدان والمحافظات، مع الحفاظ الصارم على وحدة المعايير الوطنية للشهادة والتحصيل، وتفعيل دور المجتمع المحلي كحارس أصيل لمدرسته ومؤسساته التعليمية.

نداء الواجب.. تحريك عجلة التعليم مسؤولية تضامنية

إننا في مركز حُلول للدراسات والاستشارات، وإذ نضع كافة خبراتنا وإمكانياتنا المؤسسية لدعم وإسناد المبادرة الوطنية لإعادة بناء التعليم، ندعو كافة الشركاء المحليين، والمنظمات الفاعلة، ورجال المال والأعمال، وكل الغيورين على مستقبل هذا الشعب، إلى الالتفاف حول هذا الحراك الوطني الجامع.

دعونا نتحرك اليوم قبل الغد، لكي لا تتحول مقاعد الدراسة إلى أطلال، ولكي نظل قادرين على أن ندفن أسباب الشقاق ونزرع مكانها أبجدية الحياة والسلام.

«معاً.. نستعيد المدرسة، فنستعيد الوطن ومستقبل الأجيال».

* رئيس مركز حُلول للدراسات والاستشارات

زر الذهاب إلى الأعلى