يسر .. الرصاصة التي أسالت دموع مديرية عتمة
الوفاء وحده هو دستور الحب وقانونه، والتضحية والإخلاص المتفاني للمحبوب سماته وأبرز مزاياه التي تنضوي تحت ظلاله كل دلالات الحب ومعانيه العميقة، بتلك النوابض الحية للمحبة جسدت "يسر" في علاقتها مع من أحبت وحرصت على التمسك بها رغم أهوال العذاب ومرارة العيش وكثرة الخصوم.. ظلت يسر ذات الجسد النحيل والوجه الشاحب تقارع الخطوب، رافضة التنازل أو النكث بعهود كانت قد قطعته لحبيبها ياسر الذي امتلك قلبها منذ الطفولة.. ونما وترعرع حبهما بين تلك الشعاب والجبال في إحدى قرى عزلة عتمة وهما يلعبان ويسرحان معاً لا يفرقهما إلا الليل.. تلك هي الطفولة التي شكلت قاعدة الحب المتين ليسر وياسر حتى بعد أن أكملا المرحلة الابتدائية من دراستهما.. وشاءت الأقدار أن تتوقف يسر عن إكمال دراستها، كان ياسر حريصاً أن يلتقي بيسر ليحكي لها خلاصة أحداث يومه، تلك العلاقة الفريدة دفعت الناس في القرية إلى نسج الكثير من الحكايات عن طبيعة تلك العلاقة التي لم تخلو من الدسائس والتلويث، وهو الأمر الذي دفع بوالد يسر بمنع ابنته من الخروج من المنزل وتوجيهه تهديد لوالد ياسر لكي يقطع ابنه علاقته مع ابنته وعدم التواصل معها وإلا سيحدث ما لا يحمد عقباه.. وبدوره تقبل التهديد بسعة صدر من والد يسر والذي كان قد قرر تزويج ابنته أول طالب لها.. مرت ثلاثة أشهر وظل ياسر يتواصل مع يسر سراً، وقررا أن يتقدم لخطبتها.. أخبر والده برغبته بالزواج من يسر، وهو الأمر الذي قبله بعد مضض، وتوجه للخطبة لكن والد يسر رفض بشدة واعتبر أن موافقته بالزواج سيؤكد الشائعة للعلاقة غير المشروعة بين ابنته وياسر، وأمام إصرار والد يسر ومساعدة وجهاء وأعيان من القرية، طلب والد يسر مبالغ كبيرة واشترط إقامة عرس خيالي ليدحض بتلك المراسم الضخمة والمجحفة الإشاعة، وتمت الموافقة وأعلنت الخطوبة وحدد إقامة العرس بعد ثلاثة أشهر ولكن الأقدار شاءت أن ينتقل والد ياسر إلى رحمة الله، ليصبح ياسر أمام كارثة حقيقية، فقد كان اعتماده على والده في كل شيء، لم يجد من بد إلا أن انتقل إلى العاصمة صنعاء لكنه لم يتمكن من توفير سوى مائتي ألف ريال، فيما التكاليف قد تتجاوز المليون والنصف، توجه لأخيه الأكبر ليساعده في هذه الزواجة، أبدى أخوه الموافقة لكنه اشترط عليه أن يتنازل له بكل ما له من ميراث والده.. لم يجد ياسر من مخرج آخر سوى الموافقة لكنه طلب من أخيه أن يكون سراً بينهم ذلك التنازل، وافق على ذلك وجرت مراسيم الزفاف في حفل من ألف ليلة وليلة.. أعتنقا ياسر ويسر لتبرد حرارة الفراق وتراشفا قبلات المحبة لإطفاء لوعة الاشتياق، وجددا عهد الوفاء كسياج يحميهما من غدر الزمان، وبعد ثلاثة أشهر من زواجهما ودع ياسر حبيبته وتوجه إلى صنعاء يبحث عن رزق له بعد أن أودع جنين الحب في بطن يسر والتي فرحت كثيراً بحملها.. وبعد شهر من غيابه عاد ياسر إلى حبيبته ليعلمها بأنه سيلتحق بالسلك العسكري لأنه لم يجد عملاً، باركت يسر رغبة حبيبها بحرقة شديدة، فهي تدرك مغبة الالتحاق بالسلك العسكري ولكن ياسر أقنعها بأن الأعمار بيد الله.. ودعها وعاد إلى صنعاء حيث استكمل إجراءات الالتحاق بالسلك العسكري ليصبح جندياً في إحدى الألوية.. ظل على تواصل مع حبيبته والتي كانت قد أنجبت له ولداً اسمته "نصر" في إشارة لانتصار حبها، وما هي إلا ثلاثة أسابيع بعد ولادتها.. جاءها نبأ الفاجعة الذي زلزل كيانها وهو استشهاد ياسر.. وهو الأمر الذي أدى إلى إصابة يسر بحالة نفسية تداركها والدها وقام بعلاجها إلى أن شفيت.. لكن كان كل شيء قد ذبل واختفت كل مظاهر التورد والجمال من وجه يسر.. بعد ما يقارب العام فجر الأخ الأكبر لياسر مضمون الاتفاق مع أخيه وتنازله عن ميراثه، وطلب يدها من والدها ليتزوجها، وهو الأمر الذي كان له وقعاً كالصاعقة على يسر التي لم تجد من إجابة سوى أن تصرخ بالقول مستحيل مستحيل ياسر حي.. لكن أمام إصرار والدها وإدراكها تلك الحقيقة ذهبت إلى أخت لها متزوجة من نفس القرية وحملتها أمانة بأنها إذا ماتت أن تجعل طفلها نصر مثل أبنائها.. بكت أختها لذلك الحديث وقالت لها يجب أن تتركي هذا الإحساس، أومأت برأسها وقالت لها سأعود، وما هي إلا دقائق ليأتي نبأ انتحارها بإطلاق رصاصة على رأسها من مسدس ياسر الذي كانت تحتفظ به ليسري نبأ انتحارها مثيراً معه دموع النساء والرجال في مديرية عتمة.