حسم السلطة عسكرياً بين المحكمة الجنائية والفشل المؤكد!

عاش اليمنيون الأسبوع الأخير من شهر رمضان وأيام إجازة عيد الفطر على وقع ترقب انفجار الموقف العسكري في العاصمة صنعاء بين قوات الحرس الجمهوري الموالية للنظام وقوات الفرقة الأولى مدرع الموالية للثورة الشبابية في أي لحظة، لكن أغلب الإشاعات اتجهت نحو احتمال حدوث هذه المواجهة عقب إجازة عيد الفطر، وزاد في مثل هذه التوقعات الخطابين الذين ألقاهما الرئيس/ علي عبدالله صالح ـ عشية عيد الفطر ويوم العيد نفسه وبينهما الخطاب الذي ألقاه اللواء/ علي محسن صالح ـ قائد الفرقة الأولى مدرع ـ حيث تبادل الرجلان الانتقادات بشكل مباشر وغير مباشر في هذه الخطابات الثلاثة، الأمر الذي أدى إلى زيادة معدل التشاؤم لدى غالبية المواطنين باحتمال تفجر المواجهات العسكرية، خاصة بعد ترويج الطرف الحكومي إشاعات مؤداها أن نتائج التحقيق في حادث جامع الرئاسة ستعلن عقب عيد الفطر وأن اللواء علي محسن والشيخ/ حميد الأحمر متورطان فيه، الأمر الذي أعطى انطباعاً لدى غالبية المواطنين أن كل ذلك يجري تمهيداً لقيام القوات الموالية للرئيس صالح بتوجيه ضربة عسكرية للفرقة الأولى مدرع وآل الأحمر وبالتالي إنهاء ما تعتبره هذه القوات تمرداً عسكرياً سيقود حتماً إلى اكتساحها جميع ساحات الحرية والتغيير في محافظات الجمهورية وإنهاء ثورة الشباب!

 

كما يقال فإن التوقع أشد من الوقوع، وزاد طول أمد الثورة الشبابية السلمية من قناعة الناس بأن جمود الحل السياسي سيدفع حتماً باتجاه المواجهة المسلحة، ومن المفارقات أن الانتصار الكبير الذي حققه الثوار الليبيون جاء متزامناً مع حالة الإحباط في الساحات الثورية اليمنية مما جعل البعض يتصورون إمكانية التخلي عن سلمية الثورة واللجوء إلى خيار المقاومة المسلحة لحسم الموقف وانتصار الثورة…

 

ومع كل ما سبق فإن كفة استمرار سلمية الثورة هي التي رجحت في الساحات الشبابية الممتدة في معظم محافظات اليمن، انطلاقاً من أن الثورة قد حققت أهدافها وقطعت الطريق حتماً على إمكانية التمديد للرئيس صالح، كما أنها قطعت الطريق كذلك على توريث السلطة لنجل الرئيس من الناحية السياسية بحيث لم تعد إمكانية التوريث قائمة إلا في حالة واحدة هو نجاح قواته تماماً في سحق الثورة الشبابية وسحق جميع معارضيه من مدنيين وعسكريين وهو أمر مستحيل التحقق بكل تأكيد..

 

 وعلى ذلك ومادامت الثورة الشبابية حققت أهدافها سلماً فلم يعد هناك من مبرر للجوئها إلى السلاح، خاصة أنها نجحت في اكتساب تأييد الرأي العام الإقليمي والعربي والدولي، وسيكون من المفيد لها أكثر المضي في إنجاز الحل السياسي الذي تسربت أنباء شبه مؤكدة أواخر رمضان أنه يتبلور من جديد في أروقة مجلس التعاون الخليجي والأمم المتحدة على هيئة تطوير للمبادرة الخليجية عبر طرح آليات تنفيذية لها تضمن عملية انتقال سلمية للسلطة وما سيتبعها من إجراءات.

 

إذن فمن الواضح أن الثوار الشباب ومؤيديهم من أحزاب وعسكريين وقبائل لا يجدون أي مصلحة لهم مباشرة أو غير مباشرة في حسم الموقف عسكرياً… وإن كان هناك من مصلحة لطرف في الحسم العسكري فهو بالتأكيد لبعض أطراف النظام، الذين لازال لديهم طموح بالاستمرار في الحكم كيفما كان وبأي ثمن، لكن عدم وجود أي ضمانات حقيقية لهذه الأطراف – القريبة عائلياً وقبلياً من الرئيس صالح – بتحقيق النتائج التي تريدها هو الذي لازال يجعلها تتردد في اتخاذ قرار الحسم العسكري لأنها تعرف أنها تمتلك قوة تدميرية، لكنها ليست بالتأكيد قوة قتالية نظراً لغياب الدافع الذي يجعل قواتها تقاتل من أجله لأن هذه القوات ستذهب مكرهة لمعركة تعلم أنها ليست دفاعاً عن الدين ولا عن الوطن ولا عن الوحدة ولا حتى عن الدستور ولا عن أي قيمة حقيقية إنما هي معركة تهدف فقط لفرض بقاء عائلة في الحكم – كما كان عليه حال القذافي وأبنائه في ليبيا – وهو هدف لا يمكنه أن يولد عقيدة قتالية ورغبة في الموت من أجلها، وهذا كله مقابل ملايين الشباب في اليمن الذين فقدوا أي أمل في حياة شريفة نظيفة في ظل نظام ظل يتآكل من داخله على مدى الأعوام الأخيرة دون أن ينجح في تحقيق أي تقدم اقتصادي أو معيشي أو استقرار أمني وبالتالي فقد كل مقومات استمراره وبقائه، ولم يتبق أمامه سوى أن يعتدل أو يعتزل لكنه للأسف لا هو اعتدل ولا هو اعتزل… فلم يبق أمام هؤلاء الشباب سوى الخروج إلى الساحات والاعتصام فيها حتى خروج هذه السلطة سلميا وإتاحة الفرصة لحكم جديد أكثر نظافة وأوضح رؤية وأنبل أهدافا.

 

أمام الرئيس صالح فرصة ذهبية للخروج من السلطة، بالشروط التي طلبها وصاغها بنفسه في المبادرة الخليجية، وهي فرصة لم تتوفر لنظرائه التونسي والمصري والليبي والسوري… ومن المفارقات اللافتة والطريفة أن الرئيس الذي أضاف في المبادرة الخليجية ضمانات قانونية من الملاحقة القضائية له ولعائلته وأركان نظامه لازال يتهم معارضيه بالفساد…

 

وفي كل الأحوال أظن أن الرئيس صالح يميل للمعالجة السلمية خاصة بعد أن أبلغ دبلوماسيون غربيون عدداً من قادته العسكريين أن أي تفجير عسكري للوضع سيقودهم حتماً للملاحقة من المحكمة الجنائية الدولية، خاصة أنهم من الناحية الواقعية لن ينجحوا بالمطلق في تحقيق انتصار عسكري، حيث ذكرهم هؤلاء الدبلوماسيون أن الولايات المتحدة بكل قوتها لم تستطع طوال عشر سنوات من القضاء على حركة طالبان في أفغانستان فهل سيستطيع هؤلاء القادة القضاء على إرادة شبابية شعبية سلمية عارمة بتغيير نظام مترهل لم يعد لديه ما يعطيه بعد أكثر من ثلاثة عقود في الحكم؟!

المصدر : ” أخبار اليوم ”

  • Related Posts

    قراءة تحليلية لنص “سيل حميد” لـ”أحمد سيف حاشد”

    يمنات النص يكشف عن أبعاد سياسية واجتماعية تتجاوز الحدث الفردي إلى واقع الشعب اليمني..  حاشد يبرهن على قدرة النثر التأملي في الجمع بين الذاكرة الفردية والوعي الجماعي.. النص صرخة اخلاقية…

    Artificial eyelashes can lead to vision loss

    Artificial eyelashes can lead to vision loss Artificial eyelashes can lead to vision loss Artificial eyelashes can lead to vision loss Artificial eyelashes can lead to vision loss Artificial eyelashes…

    You Missed

    مجموعة هائل سعيد أنعم وشركاه، مصدر فخر كل يمني

    مجموعة هائل سعيد أنعم وشركاه، مصدر فخر كل يمني

    الأرصاد: أمطار رعدية على أجزاء من عدة محافظات

    الأرصاد: أمطار رعدية على أجزاء من عدة محافظات

    هجوم مسلح يستهدف حافلة تقل أكاديميين في العبر ويؤدي بحياة دكتور في الكيمياء الحيوية

    • من يمنات
    • سبتمبر 28, 2026
    • 1561 views
    هجوم مسلح يستهدف حافلة تقل أكاديميين في العبر ويؤدي بحياة دكتور في الكيمياء الحيوية

    منتخب الناشئين يتأهل إلى نصف نهائي بطولة غرب آسيا

    منتخب الناشئين يتأهل إلى نصف نهائي بطولة غرب آسيا

    عدن.. وزارة التربية والتعليم تتخذ قرارات حول المدارس اليمنية في مصر ونتائج تظلمات الثانوية العامة

    عدن.. وزارة التربية والتعليم تتخذ قرارات حول المدارس اليمنية في مصر ونتائج تظلمات الثانوية العامة

    وزير الخارجية المصري يؤكد ضرورة استقرار اليمن وضمان أمن وحرية الملاحة

    وزير الخارجية المصري يؤكد ضرورة استقرار اليمن وضمان أمن وحرية الملاحة