سبات الضمير

يمنات

د. عبد العزيز المقالح

كل سُباتٍ يهون إلاّ سبات الضمير، هكذا يكاد يتحدث العقل الجمعي العربي؛ لأنه إذا نام ضمير الإنسان نامت معارفه وقيمه وصار كل شيء خارج الرقابة الروحية والأخلاقية والقانونية، وبات في مقدور الإنسان – أي إنسان بلا ضمير- أن يتحلل من كل قيد اجتماعي وإنساني وأن يفعل ما شاء ومتى شاء غير مبالٍ بما فعله ذاك من أضرار بالوطن وبالآخرين.

و يكاد الواقع يثبت أن كثيراً مما تعانيه الأقطار العربية والإسلامية يعود إلى هذا الداء الذاتي، سبات الضمائر وما ينتج عنه من نوم للقيم ومن تحلل عن المسؤولية. وما يؤلم أكثر أن هذا الداء اللعين قد صار عاماً وشاملاً في بعض الأقطار، وأنه نجح إلى حدٍ كبير في التمدد والانتشار وفي التمهيد لظهور أجواء قابلة لإحداث مزيد من التدمير والتخريب والانقضاض على كل جميل ونقي في هذه الأرض الغنية بالخيرات، وبالرجال والنساء، الطيبين، وإليه، إلى السبات تعود مسؤولية كل ما يحدث من أخطاء أو بالأصح من خطايا ومن فساد وإفساد.

و من يراجع أدبيات الدعوة للنهوض والتحرر من سبات العقل في مطلع القرن العشرين المنصرم وقبله بقليل، يجد أن تركيز الرواد ومفكري ما تم التصالح على تسميته بعصر النهضة العربية، قد اتجه إلى الحديث عن السبات العقلي وإلى دعوة الأمة إلى النهوض واليقظة، وهما كلمتان يناقضان النوم والجمود، وكان لتلك الدعوات أثرها الفعّال في أوساط المتثقفين والمتعلمين، إلاَّ أن أولئك الرواد أهملوا الحديث عن سبات الضمير ولم يتواصل دورهم الإيقاظي فتسلمته عنهم فئات ساعد ظهورها على إنامة العقل وفتح الباب لحال من السبات الأخطر، وهو سبات الضمير، كانت المصالح الذاتية هي هدف هذه الفئات التي أمسكت بزمام السلطة وأسهمت منذ وقت مبكر في صناعة الواقع الراهن بكل أخطاره وإشكالياته. وأوصلت الأقطار العربية والإسلامية إلى حال أقل ما يقال عنها أنها أسوأ ما عرفته الأمة في تاريخها القديم والحديث، تفكك في المشاعر الوطنية، وتحلل من المواقف المشتركة، وخروج على شروط التغيير والبحث عن طرق الخلاص كما ينبغي أن تكون عربياً وإسلامياً، لا كما يريد الآخرون أن تكون غربية أو شرقية.

و تحت وطأة سُبات الضمير الجمعي والفردي تجذّر الفساد وغابت كل المعايير الدينية والإنسانية، وصار أقل ضحايا سبات الضمير شراً هم أولئك الذين يعتمدون الصمت تجاه كل ما يرونه، وكأنه لا يعنيهم من قريب أو بعيد، وصار الحياد هو شعارهم، وهو شعار ذو حدين يمكّن للفساد من التوسع والانقضاض على الأخضر واليابس، ويعطي للصمت فضيلة لا يستحقها ولا تدخل في قاموس الفضائل حتى بعد أن يلج الجمل في سَمِّ الخياط.

وفي حياتنا الراهنة من المشاهد ما تتمزق له القلوب ؛ دماء تراق بلا هدف واضح وحروب طاحنة بين الأهل فشلها مؤكد وإن تحقق لأحد طرفيها النصر المزعوم، وإذا كان لهذا الواقع أو لهذه المشاهد اليومية الدامية من أثر فإنما هو المزيد من الخضوع والاستسلام المذل والمهين للذين يلعبون من وراء الستار ويحركون الدُّمى التي تعمل على أن تفقد الأوطان أفضل وأنبل أبنائها وأكثرهم استعداداً لخوض المعركة مع العدو الواضح والمتربص للفوز بمغانم الحروب.

إن لسُبات العقل نهاية مهما طال زمانه، أما سُبات الضمير فهو الذي لا زمان ولا موعد للخروج من ليله الطويل أو الانفكاك من قبضته التي تزداد شراسة كلما ازدادت المصالح حضوراً وزاد الضمير موتاً وسباتاً. وحين يغدو سبات العقل حالة سلبية مطلقة فإن سبات الضمير يقود إلى السقوط الذي لا مدى له ولا قرار. وما يحدث من بعض المنتسبين زوراً إلى الإنسانية لا يمكن تفسيره أو تحليل دوافعه إلاّ إذا تم النظر إليه من خلال كونه التعبير الواضح والصريح عن سبات الضمير.

من حائط الكاتب على الفيسبوك

Related Posts

خيارات التعامل مع تهديدات مضيق هرمز: بين القوة العسكرية والضغط الدبلوماسي

يمنات في تحليل نشرته صحيفة نيويورك تايمز، سلطت الكاتبة كاترين بينهولد الضوء على تقرير للكاتب الأمريكي جيم تانكرسلي، الذي استعرض أربعة خيارات محتملة للتعامل مع التهديدات في مضيق هرمز. ووفقًا…

الفريق السامعي: ما يحدث في المنطقة يعكس تحولات استراتيجية كبيرة في موازين القوى

يمنات – صنعاء أكد عضو المجلس السياسي الأعلى، الفريق سلطان السامعي، أن المؤتمر الصحفي الذي عقده الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب ومدير مخابراته حول استعادة الطيارين الذين سقطت طائراتهم في…

You Missed

قيامة الملح

قيامة الملح

خيارات التعامل مع تهديدات مضيق هرمز: بين القوة العسكرية والضغط الدبلوماسي

خيارات التعامل مع تهديدات مضيق هرمز: بين القوة العسكرية والضغط الدبلوماسي

الفريق السامعي: ما يحدث في المنطقة يعكس تحولات استراتيجية كبيرة في موازين القوى

الفريق السامعي: ما يحدث في المنطقة يعكس تحولات استراتيجية كبيرة في موازين القوى

إب.. تواصل حملة التبرعات لمشروع طريق في مديرية الشعر

إب.. تواصل حملة التبرعات لمشروع طريق في مديرية الشعر

Abil Hasanov: To Read Is to Think, and To Think Is the Beginning of Freedom

Abil Hasanov: To Read Is to Think, and To Think Is the Beginning of Freedom

المبعوث الأممي يصل عدن

المبعوث الأممي يصل عدن
Your request was blocked.