الباب الخلفي للجنة..

يمنات

امين غانم

هيثم الشويلي في رواية الباب الخلفي للجنة ،كان كمن يخوض معارك شتى في زمن واحد ،في محاولة لرسم بياني لإنكسارات زمن منفلت ،تنداح دوائره بقماءات كثيفة تعلو وتتصاعد كقيم خاطفة ترفل وتزهو في زمن غير سوي ،ليبدو السرد للوهلة الأولى كوعاء إضطراري غير كاف لإنتشال المتلقي اولا من خضم براثن غليظة ماتنفك تغرق في إزدراءات مفرطة التشابه في مجابهة تلك الوضاعة ،الإ أن الشويلي كان متمكنا من الإشتغال على ذائقة مكلومة او بالأحرى إستدراج القارئ ودفعه بحنكة للولوج لعالم الحكاية .

الباب الخلفي للجنة ، فيض لايتوقف من حكايات قاسية لبلد الرافدين ،فحين تتحول الفانتازيا لضرب قاس من الشواهد الحية قطعا سيسارع النص بالكشف عن مكنوناته بمباغتات مقتضبة في حيز تتدافع ازمنته بفضاءات متداخلة ومتوازية في آن واحد،يتحرك السرد بداخلها كسحر لانهائي يشي بقدرة الكاتب على الإستعانة بأكثر من عالم ،خيال ،إفتراض ،حقيقة ،رمز،كي يسترخ النص ويتمدد كحكاية خالدة ،بحقائق اوجاع مادية لإنسان مثخن بالإنتماء الحضاري لجغرافيا تنزف رويدا من الداخل .

كذا صاغ هيثم أكثر العلاقات بؤسا بالمكان ،في فتح جديد للفن بإدخال العالم الإفتراضي كنطاق ثالث يتجاوز المزاوجة التقليدية بين الخيال والواقع ،نطاق سيتحول حتما لإستلهام منهجي لتشكيل شخوص العمل السردي ،دون الحاجة لتقييمهم ككائنات من لحم ودم او مجرد مجسمات بلاستيكية ميتة ،لتغدو شخوص الرواية هنا ككائنات عصرية ،وبات الإفتراض جزءا محوريا من فن هذا الزمن .

كان الخيال عند سيرفانتس عفويا يتدفق شيئا فشييا بحكايات خصبة لأوجاع آدمية تئن بفروسيات مغدورة ،في أصقاع شتى ،لأبطال أكثر من زمن ،في سياق خيانات الإنسان لنفسه ،اما الشويلي وإن ساقته مفارقات الخيال كمحتفي بتجربة مواربة ،تخفي أكثر مما تظهر ،تختزل من معان أكثر مما تفسر ،الإ انه يغدو أكثر من محتفي بتجربة سرد الحكايات الأقسى والأفظع ليبق الفارق بين المخيلتين في ماهية المرأة والحب والحضارة ،في جرأة طليقة تلتقي مع بولغاكوف بفانتازية اللحظة المبتورة عن الزمن وتفترق عن كافكا بالإضمار غير السوداوي في سرد الآمال في سياق وقائع آسنة ،في صياغة جديرة بمواكبة الزمن وملء اليد من الثقة في مجارات إنسانه مهما بدت الوقائع متسارعة ككتلة تتكاثف لحظيا ماتفتأ تذهب الوعي وتحيل قدراته كإهتراء نيات كثر أستلزمت مغبات الحرب تبديدها والتنكر لنواميسها .

هكذا يغدو أسعد الكاظمي مجبولا بحضارة العراق ،شغف يومي كمعادل موضوعي لحاضر سياسي وإقتصادي فاسد ،في إرتداد للذات لماض مشرق تليد أشبه ببعث مغاير للأمل ،فالقبة الخضراء لعثمان المعمري ،وعتبة الأعظمية حين تحوي مرقدي موسى الكاظم ومحمد الجواد ،سوق الشورجة الذي شيد إبان الدولة العباسية ،إضافة لجسر الأئمة ،والصرافية ،ساحة عدن ،كنيسة سيدة النجاة ،العذراء ،جاءت بمثابة إحتفاء عال النبرة أشبه بتوظيف كثيف للأصل الحضاري في مناهضة حاضر منحط ،هش .

كان كل شيء مقسوما عند اسعد ( بطل الرواية ) إلى نصفين متقابلين ،ساعات اليوم ،الأمل ،العلاقات ،العمل ،صدور المومسات ،المدن ،وجل الأشياء التي يجدر به وصفها او تخيلها ،لتجيء الحبيبة تتويجا جليا لكل مايحتاجه هذا الواقع من مقارنات لنعت إنحطاط بغيض يجثم في المنتصف كلعنة أثرية ماتفنك في محاكمة كل مداهمات الغفلة والتوهان .

ماريا كوركيس يوحنا كانت الحبيبة والملاذ والوطن المغدور ،إختزالات المأساة في وجه إمرأة جملية ومثقفة تحتاج للكثير من رباطة الجأش كي تغدو مفاتنها المعطوبة والصادمة قادرة على إستدراجنا إلى المكنونات النبيلة في الأعماق دون الحملقة أولا فيما احدثته الحرب من وقع كابوسي لملامح فاتنة شطرها العنف وأفضى بها كنقيضي إرادتين للحياة ،جنة ونار ،حب وهلاك ،رعب وآمان ،دمار وبناء ،غربة ووطن ،وبات وجه ماريا بأخديده النصف المحروقة وعينه البلاستيكية يختزل كل لعنات السدور و اللاإنتماء لحضارة بابل وآشور وجلجامش ،وباتت طاقة اللامبالاة إعجازا للقبول بصاحبته ،وهي بلا ريب لن تكن الإ طاقة الإنتماء للأرض وليست للجسد .

هكذا تماهت رواية عبدالرحمن منيف ( قصة حب مجوسية ) في إستدعاء متضافر للحاضر الاوروبي ،فإجلاء شغف الفرنسيين السنوي بأضواء ليون بفرنسا وإبراز كل منحوتات لويس الرابع عشر وغيره من الملوك والفرسان ،إلى مأساة تفجير الكنائس في العراق والمساجد ، في تداخل كبير للحب والمدن للأضواء في اوروبا للتفجيرات في كنائس العراق ومساجدها ،ليغدو السرد عند هيثم الشويلي أكثر من معجم وأكثر من جغرافيا ،واكثر من حب ،وباتت الجنة هي الإستخلاص المكلف في قسمات ماريا كوركيس ،قسمات العراق والأمة ،تداخل الصوفية بالفانتازيا كمعان ثكلى لإنتشال إنسان غارق في الدونية ،تداخل الرمزية ببشاعة السائد ،اوهام الجسد بحقائق الإتكاء للمثل الحضارية ،في صهر كثيف لفصام زمن يمضي بفداحة في الموصل وإعلان داعش بداية 2014 الإستيلاء على مقدراتها والشروع بتدمير موروثها الثقافي والإنساني كان بمثابة إبتلاع كل الأبواب السحرية لولوج العراقيين للجنة ،لكنها في كل الأحوال لم ولن تكن مانعا إلى الأبد .

من حائط الكاتب على الفيسبوك

Related Posts

الصورة والانعكاس

يمنات منال هاني* تخيّل مرآةً سحرية: تقف أمامها، ترى صورتك كما تحب أن يراك العالم. ابتسامة مثالية، حياة مليئة بالإنجازات، آراء جريئة لا تخشى أحدًا. ثم تدير ظهرك للمرآة وتعود…

Trend Waves: A Revolution of Normalization and the Reframing of Concepts

Yemenat Manal Hani In the world of social media, the trend wave has become the most powerful cultural and social force of our time. A fleeting moment, whether unusual, absurd,…

You Missed

Abil Hasanov: To Read Is to Think, and To Think Is the Beginning of Freedom

Abil Hasanov: To Read Is to Think, and To Think Is the Beginning of Freedom

المبعوث الأممي يصل عدن

المبعوث الأممي يصل عدن

الصورة والانعكاس

الصورة والانعكاس

سريع يعلن عن عملية عسكرية مشتركة جنوبي فلسطين المحتلة

سريع يعلن عن عملية عسكرية مشتركة جنوبي فلسطين المحتلة

في اول رد فعل على شطب حكومة صنعاء الاف الوكالات التجارية.. شركة العاقل تحذر من الادعاء بوكالتها الحصرية لمنتجات فولفو

في اول رد فعل على شطب حكومة صنعاء الاف الوكالات التجارية.. شركة العاقل تحذر من الادعاء بوكالتها الحصرية لمنتجات فولفو

متوسط أسعار الذهب في صنعاء وعدن الإثنين 06 إبريل/نيسان 2026

متوسط أسعار الذهب في صنعاء وعدن الإثنين 06 إبريل/نيسان 2026
Your request was blocked.