الزماميط المنفوخة

يمنات

صلاح السقلدي

وجدتُه في أحد مقاهي مدينة كريتر (عدن) العتيقة، بعد سنوات من الانقطاع والفرقة.. فبعد التحية والسلام وبتبادل الأسئلة عن الحال والأحوال وما بينها من عبارات المجاملات وكلمات الود، قال لي: خرجتُ اليوم لشراء هدية لابني الصغير تشجيعا له على تفوقه في الاختبارات الفصلية بمرحلة دراسته الأساسية، فماذا تقترح من هدية؟ .. قلت له: ما رأيك ببالونات، أو بالعربية نُفَّاخات، أو باللهجة العدنية العذبة “زماميط”..؟ .. وبعد ضحكة طويلة منه، قال لي: أأنت جاد..؟، ولماذا بالونات بالذات..؟ .. هل تعتقد أن الحالة صعبة إلى حد لا نقدر على شراء هدية..؟.

قلتُ له: لا أبداً، ولكن مجرد ما سألتني عن نوع الهدية التي أقترحها عليك، تذكرتُ حكاية طريفة قرأتها في صغري لأحد مفكري أوروبا، لا أتذكر أسمه، ولا أتذكر حتى اسم الحكاية بالضبط أو عنوانها، ولكن أتذكّــر مضمونها والحكمة منها، وكيف أن هذا المفكر أجاب عن سؤال مشابه تماما لسؤالك، حين سأله أحد أصدقائه، سأوجزها لك بتصرف: إن من هذه الهدية – أقصد لعبة البالون – سيتعلم ابنك كيف يكون كبيراً، وكيف يسمو نحو المعالي من غير غرور ولا وزن يثقله أويهدّه.

كما سيتعلم من الخيط الرفيع الذي يمسك بطرفه، والبالون المحلّق بالفضاء بالطرف الآخر، أن هذا الخيط هو الرابط الذي يجب أن يظل يربط البالون بالأرض التي انطلق منها، وأن لا تأخذه العزة بالغرور، وأن انقطاع هذا الخيط يعني انفصاله عن محيطه ومنطلقه .. وبالتالي فالضياع هو المصير المحتوم.

سيتعلم – بعد أن يحب هذه اللعبة – ألّا يضغط عليها كثيراً ولا يخنقها، لأن من شأن ذلك أن تنفجر وتنتهي للأبد، فالحب الحقيقي تجاه من يحب هو أن يعطيه حريته ويمنحه ما يريد. و سيعلمه أن التمسك بالأشياء كثيراً إلى حد الالتصاق يؤدي إلى الاختناق، فضلا عن الملل والنفور.

سيتعلم أن التمسك بالأشياء الفانية هو منتهى الحمق والبلادة، وأن التمسك بها يجب أن يكون بحدود المعلوم ليس إلا.

سيتعلم من هذه البالونات أن المادح كالذابح، أي أن من يمدحك بشكل مبالغ فيه، وبما ليس فيك ليظفر بمصلحة شخصية منك، هو كمن يذبحك دون أن تشعر، حيث تكون المجاملة والمديح الكاذب أشبه بالنفخ الزائد في البالون، وفي النهاية سينفجر في وجهه وسيؤذي نفسه بنفسه .. وسيُخلص في الأخير إلى نتيجة مؤداها أن محتوى الأشياء يجب أن يكون صحيحا خاليا من الزيف والفراغ والمظاهر الهشة، وإن رفعته إلى العُلا ذات يوم، ولبعض الزمن.

سيتعلم من البالونات، المتعددة الأشكال والأحجام والألوان، كيف يجب عليه أن يتعامل مع كل الطيف الاجتماعي المتعدد الذي يحيط به، وكذلك يجب أن يتعلم الجميع، صغارا وكبارا، سياسيا واجتماعيا، ومفكرا أديبا وواعظا دينيا، ضرورة القبول بحتمية تعدد وتنوع أفكار وقناعات وسجايا البشر وطبائعهم المختلفة، والتعاطي معها بعقول نقية وقلوب تقية.

سيتعلم أن من يتملّكه الغرور، ويحتويه الزهو والخيلاء، بمكانة اجتماعية أو سياسية أو فكرية نالها، أو بمنصب ارتقى إليه، أو بموقع علمي أدبي سياسي اجتماعي ناله وتسيده ذات يوم، ليس أكثر من بالون منفوخ زائف، دبوس صغير أو رأس عود ثقاب كفيلٌ بأن يحطه من علي، ويفرقعه بثوان قليلة، ويجعله لا شيء.

فما أن فرغتُ من كلامي حتى بادرني والابتسامة تعلو محياه: “إذاً، العيال اليوم سيزمطوا”.. وعبارته هذه لها حكاية معروفة يفهما البعض في عدن، وفي كريتر بالذات.

المصدر: الأيام

للاشتراك في قناة موقع يمنات على التليجرام انقر هنا

Related Posts

محافظ الضالع يتعرض لحادث سير

يمنات تعرض محافظ الضالع، أحمد قائد القبة، الثلاثاء 07 إبريل/نيسان 2026، لحادث سير في مدينة الضالع، عاصمة المحافظة. وأفادت مصادر محلية أن سيارة المحافظ انقلبت أثناء ما كان في طريقه…

شبوة.. انتشار أمني غير مسبوق في عتق

يمنات – عتق نشرت قوات أمنية بشكل غير مسبوق صباح الثلاثاء 07 إبريل/نيسان 2026 في مدينة عتق، عاصمة محافظة شبوة، جنوب شرق اليمن. ويأتي هذا الانتشار الأمني على خلفية دعوات…

You Missed

محافظ الضالع يتعرض لحادث سير

محافظ الضالع يتعرض لحادث سير

شبوة.. انتشار أمني غير مسبوق في عتق

شبوة.. انتشار أمني غير مسبوق في عتق

وكالة: إيران تضع شروطاً لمحادثات سلام دائم

وكالة: إيران تضع شروطاً لمحادثات سلام دائم

متوسط أسعار الذهب في صنعاء وعدن الثلاثاء 07 إبريل/نيسان 2026

متوسط أسعار الذهب في صنعاء وعدن الثلاثاء 07 إبريل/نيسان 2026

قيامة الملح

قيامة الملح

خيارات التعامل مع تهديدات مضيق هرمز: بين القوة العسكرية والضغط الدبلوماسي

خيارات التعامل مع تهديدات مضيق هرمز: بين القوة العسكرية والضغط الدبلوماسي
Your request was blocked.