من أرشيف الذاكرة (43) .. قصتي مع القات

يمنات

أحمد سيف حاشد

(2)

في عدن قبل العام 1990كان لا يتم تعاطى القات وبيعه إلا يومين في الأسبوع.. الخميس والجمعة.. أما في غيرهما، فالعقوبة المحتملة زاجرة وصارمة، وتصل إلى عام أو اثنين.

خلال إقامتي الأولى في صنعاء، شاهدت غالبية المجتمع إن لم يكن كله، يتعاطى القات بنهم ودون حرج، خلال أيام الأسبوع أو جله، بل أن بعضهم يخزن في اليوم شوطين، غير “التفذيحة” إن تأتت.

بدأت أعي سطوة القات على المجتمع في صنعاء، حيث ينظر إليه باعتباره يستحث النشاط والجهد والتفكير، فضلا عن كونه وسيلة مهمة لجمع الأصدقاء والزملاء، بل والتعارف أيضا حتى بين الغرباء.. يوثق العلاقات، ويشرح النفوس، ويجلب النشاط والانتشاء، وينشط المجهود والذاكرة.. يثير الجدل السياسي، وغير السياسي.. يبعث مشاعر الدفء بين الحاضرين، وربما الحميمية في بعض الأحيان.. بدت لي اللقاءات الاجتماعية في صنعاء وغيرها من مناطق الشمال، لا طعم لها ولا لون من دون القات، بل ظننت إن السوية اليومية في صنعاء لا يمكن أن تكون من غير قات..

اشتريت مساند ومداكي محشوة بنشارة الخشب وألياف أخرى لا أدري صنفها، وربما بعضها صنعناها نحن في البيت بعد أن حشيناها بأشياء أخرى قديمة لسد النقص عند الاحتياج إلى مزيد منها.. وكان مقيلي الأول في صنعاء يظم لفيف من الأصدقاء والزملاء والأصهار بعضهم يخزن وبعضهم لا يتعاطى القات مطلقا..

صهري محمد المطري “مبحشم كبير” ومولعي قات من الطراز الرفيع، وبمثابرة يومية لا تكل ولا تمل ولا تنقطع إلا لظرف قاهر، أو مرض شديد الوطأة يلزمه الفراش.. خبرته في القات والتخزين والكيف ضاربة جذورها في مدى أربعة أو خمسة عقود متوالية..

عزمت محمد المطري إلى المقيل معي في أول يوم افتتاح ليشرّف مجلسي .. حضر بقاته وقاتي دون أن أطلب منه أن يشتري قات لي معه، بل لم أكن أعتزم التخزين، وإنما اعتزمت الجلوس مع مخزنين.. غير أن المطري أرغمني على التخزين بالأيمان الغلاظ، والحرام والطلاق..

صديقي ورفيقي ومسؤولي الحزبي جازم العريقي الذي أحببت أن أعرفه بأصهاري في صنعاء لا يتعاطى القات مطلقا، وأستعاض عنه بـ “الزعقة” فيما جاري وصديقي منصر الواحدي لا يتعاطى القات البتة، وجلس معنا من غير قات، ورابع وخامس يتعاطون القات، ولكن لا أدري بأي قدر، ولم أخبرهما من قبل.

وجدت نفسي أمارس إكراه نفسي على التخزين .. كنت في بداية المقيل وأنا أتعاطي القات، في حال أشبه بحال المحكوم عليه بتعاطي السم.. كنت كلما حشيت ورقة في فمي، أجد مرارتها تلسع راسي، أو تلدغ جمجمتي من الداخل كثعبان.. كنت أشعر بالكلفة والإرغام وأنا أتعاطيه.. أحسست أنني أتعذب فيما لا إرادة لي فيه..

طلبت شاي أسود بالنعناع والزر، أحسست وأنا أكرع الشاي في فمي إن المطري مستاء مما أفعل وملذوع أكثر مني، تأته بكلام غير مفهوم، ثم أستأنف الحديث في سياق آخر.. شعرت كأنني ارتكبت ثمة خطاء لا أعرف ما هو.. في عدن يتعاطون بتحبيذ الشاي والمزغول مع القات.. أحسست أن ما أفعله لا يروق له، بل ربما يخدش كيفه. غير أنه لاحقا عرفت إن السبب في تنفره لم يقتصر عليّ وحدي.

بدأ كيف المطري وكأن أصابه العطب، حاول أن يكظم غيضه مرارا أو هذا ما عرفته لاحقا.. كان يشاهد الرفيق جازم في الوجه المقابل له، وهو يأكل الزعقة باحترافية داهشه، وكان صوت فقص “الزعقة” لافتا، وأحيانا يبدو صوت بعضها صارخا ومستفزا لكيف المطري الذي تاه.. نفذ صبر المطري، وقد بدت له أصوات قصقصة الزعقة كانفجارات قنابل يقذفها رفيقنا في وجهه .. فأنفجر المطري هو في وجه رفيقنا كالغم، وصرخ: خزن وإلا قم أخرج .. قيص قيص قيص، من الساعة ثلاث ما خليتنا نخزن ولا خليتنا نطعم القات..

أحمر وأسود وجهي خجلا من حماقة المطري حيال رفيقنا جازم، الذي كان خجولا، وإنسانا من الطراز الرفيع.. جازم شخص مرهف الإحساس والمشاعر.. جازم بالنسبة لي مثالا وقدوة.. مثقف ممتلئ، وقيادي حزبي من الطراز الأول، ومرهف وحساس إلى حد بعيد ..

اعتذرت للجميع واعتذرت للرفيق جازم الذي شعرت أن ما فعله المطري به لا يداوى حتى وإن فرشت على جرح جازم صفحة وجهي والعيون.. وكان هذا أول درس صادم تعلمته في أول مقيل في صنعاء..

من حائط الكاتب على الفيسبوك

للاشتراك في قناة موقع يمنات على التليجرام انقر هنا

لتكن أول من يعرف الخبر .. اشترك في خدمة “المستقلة موبايل“، لمشتركي “يمن موبايل” ارسل رقم (1) إلى 2520، ولمشتركي “ام تي إن” ارسل رقم (1) إلى 1416.

Related Posts

الفريق السامعي: ما يحدث في المنطقة يعكس تحولات استراتيجية كبيرة في موازين القوى

يمنات – صنعاء أكد عضو المجلس السياسي الأعلى، الفريق سلطان السامعي، أن المؤتمر الصحفي الذي عقده الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب ومدير مخابراته حول استعادة الطيارين الذين سقطت طائراتهم في…

Abil Hasanov: To Read Is to Think, and To Think Is the Beginning of Freedom

  Yemenat  Interview by Mohammed Al-Mekhlafi Abil Hasanov came of age during a defining chapter in Azerbaijan’s history. He lived through the final years of the Soviet Union and the…

التعليقات مغلقة.

You Missed

الفريق السامعي: ما يحدث في المنطقة يعكس تحولات استراتيجية كبيرة في موازين القوى

الفريق السامعي: ما يحدث في المنطقة يعكس تحولات استراتيجية كبيرة في موازين القوى

إب.. تواصل حملة التبرعات لمشروع طريق في مديرية الشعر

إب.. تواصل حملة التبرعات لمشروع طريق في مديرية الشعر

Abil Hasanov: To Read Is to Think, and To Think Is the Beginning of Freedom

Abil Hasanov: To Read Is to Think, and To Think Is the Beginning of Freedom

المبعوث الأممي يصل عدن

المبعوث الأممي يصل عدن

الصورة والانعكاس

الصورة والانعكاس

سريع يعلن عن عملية عسكرية مشتركة جنوبي فلسطين المحتلة

سريع يعلن عن عملية عسكرية مشتركة جنوبي فلسطين المحتلة
Your request was blocked.