فضاء حر

دعونا نلتقي على ما يمسّنا من وجعٍ مشترك.

يمنات

 أ.د عبدالله غالب المعمري

صباح الوجع في زمنٍ تتناسل فيه الخيبات كما تنقسم البكتيريا لا جنسيًا بالانشطار الثنائي، وتتحول فيه جراحنا إلى هويةٍ جماعية. لم يعد اللقاء على الفرح ممكنًا، ولا الاتفاق على الأمل متاحًا، ولا نبقى مخدّرين بالوهم. وحده الوجع الطافح يجمعنا، كأنه آخر ما تبقّى لنا من قواسمنا المشتركة في اليمن العظيم: وجع الفقر، وجع القهر، وجع البطالة، وجع الفساد، وجع الخوف والذل، وجع المرض، وجع القتل اليومي الرخيص، والوطن المنهوب مع الجن ومافيا الفساد وباسم الوطن.

أن نلتقي معًا على ما يمسّنا من وجع ليس بكاءً جماعيًا كمأتم، ولا حضورًا كقطيع، بل صرخة وعيٍ وموقفًا جماعيًا ثابتًا نقول فيه: كفى! كفى خداعًا باسم الوطنية واستعادة الدولة، وكفى تسويقًا للموت باسم الحرية والمسيرة والسيادة، وكفى انتظارًا لمعجزةٍ لن تأتي ما دمنا خائفين صامتين على الرصيف.

نلتقي على وجعنا لأننا سئمنا موائد النفاق والدجل التي يجلس عليها تجار الدين، وسماسرة السلطة، وعرّابو السياسة والأيديولوجيا، ومنتهكو الحلم الإنساني.

نلتقي على وجعنا الذي ينخر فينا حتى النخاع، لا لننوح كالناحات في الزوايا المعتمة، بل لنثور كثوار مؤمنين بحق الحياة الكريمة وعدالة القضية؛ لا لنلعن الظلام، بل لنصير شرارته الأولى.

كل جرحٍ فينا هو خارطة طريقٍ نحو التغيير، وكل دمعة قهرٍ تسقط هي دليل براءةٍ من استمراء وخيانة الصمت.

حقًا، حين نجتمع على الوجع سنكتشف أننا لم نُهزم بعد، وأن في داخل كل واحدٍ منا ثائرًا صغيرًا ينتظر من يوقظه.

أن نلتقي على الوجع يعني أن نكسر قيود الخوف والاستغلال، وأن نحوّل الألم إلى وعي، والوعي إلى فعل، والفعل إلى تسونامي تغيير.

لأن القاسم المشترك والوجع المشترك الذي يمسّنا هو تحرير الأرض الوحيدة التي يمكن أن تنبت عليها بذور الخلاص الجماعي.

فلنلتقِ إذن لا على موائد المصالح الرخيصة والمجاملات، ولا في صالونات التبرير السياسي والدجل الديني وخنادق الموت، بل على طاولة الحقيقة العارية:

أننا شعب موجوع حتى النخاع… لكنه لن يقبل أن يُوجَع ويُستبدّ به إلى الأبد، وأننا نستحق الحياة التي تليق بآدميتنا.

زر الذهاب إلى الأعلى
Your request was blocked.