من أرشيف الذاكرة (47) .. قصتي مع القات

يمنات

أحمد سيف حاشد

(6)

كان ديواني يكتظ بالرفاق والثوار والأصدقاء بل وبالمخبرين أيضا.. أسماه عبد الهادي العزعزي في الأيام الأولى من شهر يناير ومطلع فبراير 2011 بـ “دار الأمة” عندما كنا نجتمع أو نلتقي فيه أو ننطلق منه.. كان يومها عبد الهادي ينتمي إلى حزب التجمع الذي أسسه الرجل المحترم والمعارض الصلب عمر الجاوي..

ثم صار مجلسي ملتقى لمن أسميناهم بـ “جرحى الثورة السلمية” وهم الجرحى الذين خانهم من استولوا على الثورة، أو خطفوها منهم، وقلبوا لهم المجن، وتنكروا لتضحياتهم بقباحة، ولاسيما الذين رفضوا علاجهم أو اهملوهم حتى تعفنت جراحهم، وأكلت الجراح أعضائهم، أو جعلتهم ذو إعاقات وعاهات دائمة، تستمر معهم إلى آخر العمر، إن لم تضع تلك العاهات حدا لحياتهم قبل ذلك الأوان..

جلس إلى جانبي أحدهم، كان قد أشترى قات بثلاثمائة ريال كما فهمت لاحقا.. يبدو إنه معدما أو أن قدرته على شراء القات محدودة للغاية.. كان واضحا إن الطفر يأكل عيونه ووجهه.. ملابسه وقاته وجسمه النحيل تحكي جانبا من طَفرِه وشدة حاجته، ومعاناته اليومية..

تركت قاتي على الجانب الأيسر بمحاذات المتكأ، وخرجت عن وعيي، ومددت يدي إلى علاقي ذلك الجريح الموجوع الموجود في يميني .. مددت يدي إلى كيس قاته، وأخذت بعض وريقاته، وبصورة يبدو إنها كانت صادمة لصاحبها.. ثم فعلتها مرة ثانية، وعلى نحو يبدو إنها كانت مستفزه، ربما بسبب ظنه إنها تنم عن استهتار أو عدم مبالاة أو خطاء فاحش يرتكب ضده ويكلفه مقيله..

ويبدو إن تكرار فعلي ونبش وريقات قات أكثر من المرة الأولى كان أمر أكثر استفزازا.. غير أن صاحبها حاول كتم غيضه، وكبح ردت فعله، وفضل أن يبعد علاقية قاته قليلا عني نحو الجهة الأخرى، غير أنني مددت يدي مدا، وسحبت العلاقي إلى جهتي، وغرزت يدي كغراف “الشيول” داخل الكيس لأهبش وريقات أكثر، فيما كان قاته قليل وحزين ولا يستحمل غرافا..

لم يتحمل صاحبنا الغلطة الثالثة، حيث سرعان ما تحرر من حيائه وحرجه، وقبض على يدي كما يقبض أحد رجال “الجندرمه” على لص.. قبض على يدي متلبسة، وقبل أن تخرج من علاقية قاته..

يده النحيلة وهي تقبض على يدي أحسست بها وكأنها قبضة من حديد.. لم أكن أعرف أن هذه اليد النحيلة لذلك الجسد النحيل والمنهك تستجمع كل هذه القوة الجريئة.. لحظتها لم أدرك حقيقة ما حدث، ولا سبب القبض على يدي إلا حالما قال:
– هذا قاتي بثلاثمائة ريال.. سامحتك بالأولى والثانية .. أين قاتك؟!!

عندها أدركت أن ما فعلته ليس بقليل، وخصوصا عندما لمحت أن قاته كان قليلا ويثير حزن من يراه.. قاته القليل لم يكن يستحمل التغاضي عن الهبش، ولا يتحمل دقائق قليلة من الفتك فيه.. تفهمت مشاعر صاحبه.. سحبت يدي من العلاقي ببطء ومن غير قات، بعد أن خفّت قبضة يده، وبعد أن أوصل رسالته كقذيفة مدفعية..

الواقع إن الموقف كان مربك.. وقهقهتي العفوية كانت ترفع عني كل مأخذ، وخصوصا بعد أن وجدت قاتي في الجانب الآخر هو من يبحث عني في غفلة عنه عشتها لدقائق.

من حائط الكاتب على الفيسبوك

للاشتراك في قناة موقع يمنات على التليجرام انقر هنا

لتكن أول من يعرف الخبر .. اشترك في خدمة “المستقلة موبايل“، لمشتركي “يمن موبايل” ارسل رقم (1) إلى 2520، ولمشتركي “ام تي إن” ارسل رقم (1) إلى 1416.

Related Posts

خيارات التعامل مع تهديدات مضيق هرمز: بين القوة العسكرية والضغط الدبلوماسي

يمنات في تحليل نشرته صحيفة نيويورك تايمز، سلطت الكاتبة كاترين بينهولد الضوء على تقرير للكاتب الأمريكي جيم تانكرسلي، الذي استعرض أربعة خيارات محتملة للتعامل مع التهديدات في مضيق هرمز. ووفقًا…

الفريق السامعي: ما يحدث في المنطقة يعكس تحولات استراتيجية كبيرة في موازين القوى

يمنات – صنعاء أكد عضو المجلس السياسي الأعلى، الفريق سلطان السامعي، أن المؤتمر الصحفي الذي عقده الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب ومدير مخابراته حول استعادة الطيارين الذين سقطت طائراتهم في…

التعليقات مغلقة.

You Missed

خيارات التعامل مع تهديدات مضيق هرمز: بين القوة العسكرية والضغط الدبلوماسي

خيارات التعامل مع تهديدات مضيق هرمز: بين القوة العسكرية والضغط الدبلوماسي

الفريق السامعي: ما يحدث في المنطقة يعكس تحولات استراتيجية كبيرة في موازين القوى

الفريق السامعي: ما يحدث في المنطقة يعكس تحولات استراتيجية كبيرة في موازين القوى

إب.. تواصل حملة التبرعات لمشروع طريق في مديرية الشعر

إب.. تواصل حملة التبرعات لمشروع طريق في مديرية الشعر

Abil Hasanov: To Read Is to Think, and To Think Is the Beginning of Freedom

Abil Hasanov: To Read Is to Think, and To Think Is the Beginning of Freedom

المبعوث الأممي يصل عدن

المبعوث الأممي يصل عدن

الصورة والانعكاس

الصورة والانعكاس
Your request was blocked.