أخبار وتقاريرأدب وفنأهم الأخبارالعرض في الرئيسة

قراءة تحليلية لنص أحمد سيف حاشد “أول مقيل في صنعاء” 

يمنات

نص “اول مقيل في صنعاء” هو أحد نصوص مشروع كتاب جديد للكاتب والبرلماني اليمني أحمد سيف حاشد. 

هذه القراءة أنجزت بتقنيات الذكاء الصناعي.. 

القراءة السياسية

مرثية للحلم المدني

النص مرثية للحلم المدني؛ لا يكتب بلغة الشعارات، ولا يجاهر بالاتهام، بل يرفع القناع عن وجه السلطة الحقيقي حين تتحدّث باسم الشعب. إنه نص يفضح القهر ويُدين الاستبداد ويقوم بتعرية آلياته اليومية.

وثيقة سياسية

يتجاوز النص ما هو شخصي ليغدو وثيقة سياسية رمزية، تختزل مأزق الوحدة اليمنية، وتكشف تصادم الأنساق الاجتماعية والسياسية، وتعبّر عن الانسداد السياسي وفشل الانتقال من الحلم المدني إلى دولة القانون والمؤسسات.

 الجملة الأبلغ سياسيًا

لعلّ أبلغ ما يختزله النص سياسيًا قول الكاتب:

«مجتمعٍ يبدو فيه السويُّ شاذًّا يعيش غربته، ويغدو فيه الشاذُّ سويًّا يستمر على عادته».

هذه العبارة تُلخّص المأساة السياسية، إذ تكشف انقلاب المعايير حين تُجرَّم القيم الوطنية، ويُعاد تعريف الصواب والخطأ وفق ميزان الهيمنة لا ميزان العدالة. 

نص سياسي بامتياز

النص سياسي بامتياز، إذ يكشف آلية اشتغال السلطة حين تغيب الدولة، فتتحوّل العادة إلى قانون، والطقس الاجتماعي إلى أداة حكم، ويغدو الامتثال شرطًا للقبول داخل الجماعة. إنها سياسة تُمارَس بلا مؤسسات، لكنها أشدّ فاعلية من كثير من القوانين المكتوبة. 

الدلالة السياسية العميقة

رغم المظهر الاجتماعي للنص، فإنه يحمل في عمقه تشريحًا دقيقًا لآليات الهيمنة السياسية في المجتمعات الانتقالية. وهو استعارة مكثفة للواقع اليمني والعربي في لحظات التحوّل، حيث تختلط القيم، ويُقايَض الحق بالتكيّف، وتُختبَر الأخلاق تحت ضغط الجماعة لا تحت مظلّة القانون. 

الرسالة السياسية الكبرى

يقول النص رسالته السياسية دون هتاف: لا حرية بلا حماية اجتماعية، ولا اختيار فردي في ظل قسر جماعي، ولا أخلاق عامة بلا دولة عادلة. وبهذا يمارس نقدًا سياسيًا عميقًا يفضح القهر اليومي المُنتِج للاستبداد، بوصفه تشريحًا لثقافة الإخضاع ودعوةً غير مباشرة لاستعادة الفرد وكرامته خارج منطق القطيع. 

أدب اعتراف بوعي وطني

ينتمي النص إلى أدب الاعتراف من طراز رفيع؛ يجمع بين سلاسة السرد السينمائي وعمق التحليل النفسي. وقد نجح الكاتب في تحويل جلسة قات عابرة إلى نص وطني يقرأ ملامح مرحلة كاملة، ويوثّق انكسارات الروح وهي تتكيّف مع واقع يفرض شروطه بقسوة.

النص من وجوه أخرى 

تشكّل النص وقيمته الأدبية

«أول مقيل في صنعاء» نص ناضج فكريًا، عميق إنسانيًا، متماسك لغويًا، ومؤلم بقدر ما ينبغي للأدب الصادق أن يكون. 

إنه مثال على كتابة لا تولد دفعة واحدة، بل تتشكّل بالمراجعة والصبر والتدقيق، حتى تستوي على هذا القدر من الاكتمال.

إنه نص يُقرأ ببطء، يترك أثره، ويستحق أن يُوقَّع عليه بثقة. 

خريطة نفسية للصراع الخفي

ليس هذا النص سردًا لحدثٍ عابر، بل خريطة نفسية دقيقة لرحلة الإنسان في مواجهة القوانين غير المكتوبة للقبيلة، وكشفٌ مؤثّر عن حربٍ صامتة بين الذات والنسق الاجتماعي المتجبّر

المعركة التي لا تُرى

يذكّر هذا النص بأن أعظم المعارك لا تُخاض في الساحات المفتوحة، بل في تلك المساحات الضيّقة بين ما نؤمن به وما نُضطر إلى فعله كي نستمر. 

سلطة العادة وضغط الجماعة

لا يمكن قراءة هذا النص بوصفه حكاية عن القات، ولا سردًا عن «أول مقيل». إنه نص عن سلطة العادة حين تتحوّل إلى قانون، وعن ضغط الجماعة حين يغدو أقسى من أي سلطة رسمية، وعن الفرد حين يُدفع، بهدوء وقسوة، إلى التنازل كي لا يُقصى.

الشجاعة والصدق

تكمن قيمة النص في شجاعته؛ إذ لا يتواطأ مع العادة، ولا يدّعي بطولة زائفة، ولا يكتب من برج أخلاقي. يعترف الكاتب بضعفه وإكراهه وحيرته دون تبرير، ويترك للقارئ أن يرى القسوة كما هي.

القيمة العامة للنص

يصلح هذا النص لأن يُقرأ كنص أدبي مستقل، وكفصل في سيرة أو ذاكرة اجتماعية، وكوثيقة ثقافية عن صنعاء ما بعد الوحدة، بل كشهادة إنسانية قابلة للتعميم خارج سياقها اليمني. فهو في جوهره نص عن الإنسان حين يُدفع إلى التنازل كي يستمر، ويكتشف أن التعايش قد يحمل أحيانًا ثمنًا أخلاقيًا فادحًا. 

الفكرة والرؤية

يقوم النص على سؤال إنساني عميق: ماذا يفعل الفرد حين يدخل مجتمعًا لا يشبهه ولا يملك أدوات الصدام معه؟ ولا يقدّم إجابة مباشرة، بل يترك التجربة تتكفّل بها، مصطحبًا القارئ في مسار متدرّج من الغربة إلى التكيّف، ثم التنازل فالإكراه، وصولًا إلى الصدمة الأخلاقية. 

البناء السردي

جاء البناء محكمًا ومتدرّجًا بوعي واضح:

 • تمهيد نفسي قائم على الشعور بالاختناق والغربة

 • تبرير عقلاني للتنازل (غياب السلطة والقدرة على الفرض)

 • فعل تأسيسي (إنشاء المقيل)

 • تصعيد درامي (الإكراه، الانفعال، الانفجار)

 • خاتمة أخلاقية صادمة (إهانة النبيل، والاعتذار الذي لا يداوي)

هذا التدرّج يجعل النص أقرب إلى قوس درامي كامل، لا إلى مقالة انطباعية أو شهادة عابرة.

اللغة والأسلوب

اللغة في هذا النص لغةٌ رفيعة دون تكلّف، فصيحة دون جفاف، ومشحونة بالدلالة دون استعراض بلاغي. المفردات مختارة بعناية، والاستعارات موظّفة لخدمة المعنى لا للتزيين.

الأهم أن اللغة لا تُجمّل القسوة، ولا تخفّف من حدّة التجربة، بل تنقلها كما هي، بمرارتها وكلفتها.

البناء الفني

يقف النص كبناءٍ درامي متكامل له بداية مثقلة بالترقب، وذروة مفعمة بالتوتر، ونهاية مؤلمة بليغة. إنه مسرحية مصغرة تجسد فيها الشخصيات أدوارها بتلقائية مؤلمة:

الراوي: البطل المتردد، الباحث عن قبول في أرض الغربة.

المطري: تجسيدٌ حي للعرف المتسلط، الحارس الأمين للطقس.

جازم: الضحية النبيلة، شمعة الأصالة في عتمة التنازلات.

 الإيقاع الداخلي

يشبه إيقاع النص نبض القلب تحت الضغط؛ يبدأ هادئًا متأمّلًا، ثم يتسارع مع اشتداد الموقف، ليبلغ ذروة الانفجار مع صرخة المطري، قبل أن يهبط إلى صمتٍ مؤلم بعد الاعتذار.

مسك الختام

ليس «أول مقيل في صنعاء» نصًّا يُغلق عند آخر سطر، بل شهادة تضع القارئ أمام مرآة القهر اليومي، حيث تُختبر القيم وتُترك بلا حماية. وبكتابته، لا يوثّق الكاتب تجربة شخصية فحسب، بل يمنع التطبيع مع الانكسار، ويُبقي الحلم المدني حيًّا، ولو في صيغة مرثية.

نص القات (3) “أول مقيل في صنعاء” 

أحمد سيف حاشد

بعد فترة وجيزة من قدومي إلى صنعاء عقب الوحدة، راودني شعورٌ خفيٌّ بالعزلة والانغلاق والتوتر؛ إحساسٌ يشبه السجن، أو الانكفاء على الذات، في مجتمعٍ ألف القات، ويشترك أفراده في طقسٍ يوميٍّ سائد هو تعاطيه، واجتماع «المقيل». لم يكن انتقالي من عدن إلى صنعاء مجرد تغيير المكان، بل عبورًا إلى تجربةٍ لم تكن واردةً في مخيالي من قبل مجيئي إليها.

أحسستُ أنني سأغدو منبوذًا، منكفئًا على نفسي في قبوٍ داخليٍّ موحش إن لم أحاول تعاطي القات، أو على الأقل حضور مجالسه. بل وجدتُني بحاجةٍ إلى مجلسٍ خاصٍّ بي يلتقي فيه معارفي وأصدقائي، وبعضُ من رغبتُ في التعرف عليهم عن كثب. لقد قال الواقع كلمته بوضوح: لا وُدَّ بلا قاتٍ ومجلس، ولا مفرّ من التعايش – بهذا القدر أو ذاك – مع واقعٍ وجدتُ نفسي أعيش غربتي في دركه ومحبسه.

شعرتُ حينها بضغطٍ غيرِ معتاد، وإحساسٍ يتنامى بوتيرةٍ متصاعدة، بأنني أعيش في مجتمعٍ منغمسٍ ومنغلقٍ بات فيه القاتُ نَسَقَ عيش وحياة؛ مجتمعٍ يبدو فيه السويُّ شاذًّا يعيش غربته، ويغدو فيه الشاذُّ سويًّا يستمر على عادته. تنقلب القاعدةُ استثناءً، ويتحوّل الاستثناءُ قاعدة؛ والصحيحُ يُرى خطأً في نظرِ وعيٍ سائدٍ ومألوف.

لم أستطع أن أكون مثاليًا إلى ذلك الحدّ المصنوع بالرقم والمسطرة، حتى وإن مالت رغبتي إلى بلوغه. 

لم أكن مُعمَّمًا بسلطة، ولا في يدي زمامها؛ لا صولجان أحمله، ولا قدرة لي على سنّ قوانيني، أو فرضها على مجتمعٍ من غير سلطةٍ تُقرِّر وتُنفِّذ.

ولا بأس – تحت هكذا ضغط – بالميل والتنازل قليلًا فيما هو ممكن ومتاح، في مجتمعٍ يحكم عليك بالعزلة والنبذ إن صادمتَ ما استقرّ عليه. هكذا، ربّما، فكّرتُ في لحظة هشاشةٍ طال مداها.

وهكذا وبعد ترددٍ طال وتحت ثقل هذا الشعور، وفي ظلّ واقعٍ مجتمعيٍّ يفرض شروطه، قرّرتُ أن يكون لي مجلسُ قاتٍ متواضع وبسيط، على قدر الحال. 

اشتريتُ مساندَ ومتكآتٍ محشوةً بنشارة الخشب وأليافٍ أخرى لا أدري نوعها، وربّما كان بعضُها من صنع أيدينا في البيت، بعدما حشوناها بما تيسّر من أشياء، كأقمشةٍ قديمة، احتياطًا أو سدًّا لنقصٍ قد يطرأ لحاجة.

*** 

كان مقيلي الأوّل في مجلسي بصنعاء يضمّ لفيفًا من الأصدقاء والزملاء والأصهار؛ جميعهم يتعاطون القات، باستثناء اثنين: رفيقي جازم، وزميلي وجاري منصر الواحدي. أمّا أنا، فقد وجدتُ من يحملني على أن أقع «أعور»، كما في المثل الشعبي: «إذا دخلت بين العُور عَوِّر»، وذلك رغم أنّي كنتُ مستضيف المقيل. غير أنّي أُرغمتُ على التخزين بيمين «الطلاق بالثلاث».

صهري محمد المطري «مبحشم» كبير، مولَع ومتذوّق وخبير في فنونه وطقوسه؛ يمارسه بمثابرةٍ يومية لا يقطعه عنها إلا ظرفٌ قاهر، كمرضٍ شديد الوطأة يُلزمه الفراش. خبرته في القات والتخزين والكيف ذاتُ باعٍ طويل، وضاربةٌ في الجذور، ممتدّةٌ على مدى أربعين أو خمسين عامًا متواصلة.

عزمتُه على المقيل معي في يوم الافتتاح، ليشرّف مجلسي. حضر بقاته وقاتي، من غير أن أطلب منه أن يشتري لي قاتًا، إذ لم أكن أنوي التخزين أصلًا، وإنّما عزمتُ على الجلوس مع المخزّنين لا أكثر. غير أنّه أصرّ وأرغمني على التخزين، بالحرام والطلاق، وبالأيمان الغلاظ.

كان جازم، صديقي ورفيقي ومسؤولي الحزبي، الذي أحببتُ أن أعرّفه ببعض أصهاري ومعارفي في صنعاء، لا يتعاطى القات مطلقًا، وقد استعاض عنه بـ«الزعقة». أمّا منصر الواحدي، جاري وصديقي، فلا يتعاطى القات ولا «الزعقة»؛ وكلّما داهمه الملل عاد إلى بيته القريب، ثمّ يرجع بعد ساعة. كنّا نحن الثلاثة ممّن قدموا إلى صنعاء من عدن بعد الوحدة، فيما كان الرابع والخامس والسادس من صنعاء، يتعاطون القات في الغالب كلّ يوم.

***

وجدتُ نفسي في الجلسة أمارس إكراهًا ذاتيًّا على التخزين. كنتُ في مطلع المقيل في حالٍ تُشبه حال المحكوم عليه بفعل ما يكره؛ ومع ذلك حاولتُ أن أُداري ما يعتريني، متقمّصًا إشراقة مزيفة. كنتُ كلّما حشوتُ ورقةً في فمي، وجدتُ مرارتها تصعد إلى رأسي برقًا ورعدًا؛ أشعر بكلفةٍ وإرغامٍ وأنا أتعاطاه، حتى بدوتُ أمام نفسي، وصبري في المقيل، كأنني في جلسة تعذيب شديدة الوطأة.

طلبتُ شايًا أسود بالنعناع والقرنفل. وحين أخذتُ أكرع الشاي، أحسستُ بأن المطري الجالس إلى جواري مستاءٌ ممّا أفعل. سمعتُ منه همهمةً وبركضةَ كلامٍ غير مفهومة، تشبه قرقرة نرجيلة، ثمّ استأنف الحديث في سياقٍ آخر. ففي عدن، وقبلها في قريتنا، جرت العادة لدى كثيرين على شرب الشاي أو «المزغول» مع القات؛ كان أبي يفعل ذلك، ويفعله غيره كُثُر، ولم أسمع يومًا من يعيب هذا أو يعافه. غير أنّ إحساسي قال إن ما أفعله لا يروق، بل ربّما يكسر كيف صِهْرِنا المطري من حيث لا أدري.

بدأ مزاج المطري وكيفه يختلّان؛ كأنّ عطبًا أصاب محرّكه الداخلي. اربدّ وجهه غلسًا كالحًا، وربّما حاول كظم غيظه مرارًا، كلّما وقعت عيناه على جازم في الجهة المقابلة، وهو يأكل «الزعقة» باحترافٍ مدهش. كان صوت «فَقْص الزعقة» لافتًا، وأحيانًا يبدو صارخًا ومستفزًّا لكيف المطري.

نفد صبره، وغدت أصوات «قَصْقَصة» الزعقة في أذنيه كأنّها انفجاراتٌ تُقذف في وجهه. انفجر فينا كرعدٍ داوٍ، وبدا كأنّ مسًّا شيطانيًّا قد أصابه. صرخ بانفعالٍ لم نتوقّعه:

– خزّن، وإلّا قم، اخرج من عندنا! اقلع من وجهي! قيص، قيص، قيص! من الساعة ثلاث ما خلّيتنا نخزّن، ولا خلّيتنا نُطعم القات.

اجتاحني حرجٌ شديد، وأحسستُ بغصّةٍ ذابحة. جفّت شفاهي حتى بدت لوهلةٍ كأنّها مُحنَّطة من عهدٍ فرعونيٍّ بعيد. احمرّ وجهي واسودّ خجلًا مما حدث، ومن قسوة موقفه تجاه الرفيق جازم، الذي بدا لنا خجولًا، منكسرًا، ومصدومًا. زفر ألمًا وكمدًا من صفاقةٍ وفجاجةٍ جاءت صادمةً لنا جميعًا.

أحسستُ بدوارٍ، وكأنّ الأرض من تحتي تميد. جازم إنسانٌ من طرازٍ رفيع؛ مرهفُ الإحساس، عميقُ المشاعر. كان بالنسبة لي مثالًا وقدوة: مثقّفًا ممتلئًا، وقياديًّا حزبيًّا من الطراز الأوّل، بل وأكثر من ذلك – نبيلًا إلى حدٍّ لا يُصدَّق.

اعتذرتُ للجميع، واعتذرتُ لِجازم، إذ شعرتُ أنّ ما حدث كان قاسيًا وصادمًا، جرحًا لا يُداوى، حتى لو فرشتُ عليه صفحة وجهي. وكان ذلك أوّل درسٍ صاعقٍ أتعلّمه في أوّل مقيل، وأوّل مجلس قاتٍ لي في العاصمة صنعاء.

***

زر الذهاب إلى الأعلى