السلام والمحبة: رسالة الإنسان في مواجهة طغيان السلطة وأزمة الوعي اليمني

يمنات
فؤاد محمد
مقدمة: من سؤال الهوية إلى إجابة الوجود
في بيئة يمنية مثقلة بالهويات الفرعية، والفرز الديني والمذهبي والمناطقي، يأتي سؤال النائب أحمد سيف حاشد ليعكس فضولاً (أو بالأحرى ضغطاً) مجتمعياً يبحث دوماً عن “صندوق” ليضع فيه الآخر. لكن إجابة “أنتوني” جاءت لتكسر الصندوق تماماً. إن القول بأن المعتقد أو الدين هو “السلام والمحبة” ليس تهرباً من الإجابة، بل هو ارتقاء بالوعي إلى مستوى يرى في الأديان جوهرها الأخلاقي لا قشورها الطقسية.
هذه الكلمات البسيطة العميقة لم تكن مجرد رد شخصي، بل كانت بمثابة بيان سياسي وأخلاقي يهز أركان الفكر الأحادي في بلد تمزقه الصراعات. في الوقت الذي يغرق فيه اليمن في مستنقع الحروب الطائفية والمناطقية والاستقطابات السياسية، تأتي هذه الإجابة لتذكرنا بأن جوهر الأديان كلها، وقيمة الإنسان الأعلى، تتلخص في هذين المبدأين الكونيين: السلام والمحبة.
الحالة اليمنية: واقع مرير وغياب للإنسانية
اقتصاد منهوب وشعب مُعدم
تعيش اليمن واحدة من أشد الأزمات الإنسانية تعقيداً في العصر الحديث. خلف الصراع السياسي والعسكري، تكشف الأرقام مأساة إنسانية مروعة:
· نهب منظم للإيرادات: تمتلك اليمن موارد سيادية كبيرة من النفط والغاز والضرائب والجمارك والاتصالات، لكن هذه الثروات تتحول إلى لعنة على الشعب. في المناطق الخاضعة لما يسمى “سلطة الأمر الواقع” في صنعاء، تتم مصادرة الإيرادات وتحويلها إلى حسابات نخب سياسية وعسكرية. وفي المناطق الخاضعة لـ”سلطة الشرعية” في عدن، نرى فساداً منهجياً وتقسيماً غير عادل للموارد يفتقر لأبسط معايير الشفافية.
· قطع الرواتب كسلاح سياسي: يعاني أكثر من مليون موظف حكومي وعائلاتهم (ما يقارب 5-6 ملايين نسمة) من انقطاع متكرر للرواتب أو صرف نصفها فقط. هذه السياسة ليست مجرد إجراء اقتصادي، بل هي أداة لإذلال المجتمع وتركيع المؤسسات وكسر إرادة الشعب. الموظف الذي لا يستطيع توفير لقمة عيش لعائلته يصبح رهينة للسلطة، وعرضة للابتزاز السياسي والمذهبي.
عدالة مغيبة وقانون منتهك
واحدة من أخطر الكوارث التي تعانيها اليمن هي الانهيار الشامل لنظام العدالة:
· انتعال الدستور والقانون: صار الدستور مجرد حبر على ورق، يُنفذ عندما يخدم مصالح النخب الحاكمة، ويُتجاهل عندما يتعارض مع أطماعها. هذا الازدواجية القاتلة دمرت فكرة “سيادة القانون” وحولت البلاد إلى غابة يحكمها قانون القوة.
· تسييس القضاء: تعيين قضاة من خارج خريجي المعهد العالي للقضاء، وتعيينات بالتوافق السياسي والطائفي، حولت القضاء من حارس للحقوق إلى أداة قمع في يد السلطة التنفيذية. المحاكم التي يفترض أن تكون ملاذاً للمظلومين صارت أداة لتصفية الحسابات السياسية.
استهداف مهنة المحاماة: تشريع قوانين تنتهك صراحة حقوق المحامين وكرامتهم واستقلالهم، في محاولة واضحة لإسكات آخر صوت يمكن أن يدافع عن الضحايا. المحامي الذي يجب أن يكون حصناً للعدالة صار هو نفسه مستهدفاً.
أولويات مقلوبة وهموم متجاهلة
في مفارقة عجيبة، نجد القوى السياسية اليمنية منشغلة بـ”المغامرات الخارجية” وتبني خطابات حول قضايا إقليمية ودولية، بينما المواطن اليمني يموت جوعاً ويُعدم صحياً وتعليمياً:
الحروب العبثية: حرب لا طائل منها تسببت في مقتل أكثر من 377,000 شخص بشكل مباشر وغير مباشر، وشردت ملايين السكان، ودمرت البنى التحتية التي استغرق بناءها عقوداً.
انهيار الخدمات الأساسية: الصحة والتعليم والكهرباء والمياه – كلها خدمات انهارت بشكل شبه كامل، بينما تذهب المليارات إلى جيوب النخب الحاكمة وتمويل الصراعات.
الانشغال بالخارج على حساب الداخل: خطابات “نصرة القضايا” تملأ وسائل الإعلام التابعة للأطراف المتصارعة، بينما القضايا الحقيقية للمواطن اليمني – الجوع، المرض، انعدام الأمن – تُهمل بشكل منهجي.
تحليل الوضع اليمني وفق مقياس هوكينز للوعي
ما هو مقياس هوكينز؟
وضع الطبيب النفسي والباحث الأمريكي ديفيد هوكينز مقياساً للوعي البشري في كتابه (Power vs. Force). هذا المقياس اللوغاريتمي يتراوح من 20 إلى 1000، ويقسم إلى:
· مستويات القسر (20-199): وتشمل الخجل (20)، الذنب (30)، اللامبالاة (50)، الحزن (75)، الخوف (100)، الرغبة (125)، الغضب (150)، الكبرياء (175). هذه المستويات تمثل حالات هدامة وسلبية.
· مستويات القوة (200-1000): وتشمل الشجاعة (200)، الحيادية (250)، الاستعداد (310)، القبول (350)، العقل (400)، الحب (500)، الفرح (540)، السلام (600)، والاستنارة (700-1000). هذه المستويات تمثل حالات بناءة وإيجابية.
وفقاً لهوكينز، فإن 85% من البشر يعيشون تحت مستوى 200، و15% فقط فوقه، بينما 0.4% فقط يصلون إلى مستوى الحب (500) وما فوق.
اليمن عبر عدسة هوكينز: سقوط جماعي نحو الهاوية
بتطبيق مقياس هوكينز على الحالة اليمنية، نجد كارثة حقيقية في مستوى الوعي الجمعي:
· الخوف (100): يعيش الملايين تحت وطأة الخوف من القصف، المجاعة، الأمراض، الاعتقال التعسفي، وفقدان الأحبة. الخوف أصبح أسلوب حياة، وأداة للسيطرة السياسية.
· الحزن (75): يخيم الحزن على أمة كانت تُعرف بـ”اليمن السعيد”. حزن على الضحايا، على التراث المدمر، على الطفولة المسلوبة، على مستقبل ضائع.
· الغضب (150): غضب عارم يتحول إلى عنف ممنهج، ويُعمم ليشمل فئات كاملة من المجتمع. خطاب الكراهية أصبح سائداً في وسائل الإعلام والخطابات السياسية.
· الكبرياء (175): وهو أخطر المستويات حسب هوكينز، حيث يصفه بـ”بوابة الشيطان”. الكبرياء المذهبي والطائفي والقبلي يجعل كل طرف يعتقد أنه يمتلك الحقيقة المطلقة، وأن الآخرين على ضلال.
هذه المستويات المنخفضة تفسر لماذا تستمر الحرب رغم الدمار الهائل، ولماذا تفضل النخب السياسية الاستمرار في الصراع على الجلوس إلى طاولة حوار حقيقي. القرارات المتخذة تنبع من عقلية قصيرة المدى، أنانية، عنيفة، تفتقر لأي رؤية مستقبلية أو اعتبار إنساني.
رسالة “أنتوني”: نقلة نوعية في مستوى الوعي
في مواجهة هذا الواقع المأساوي، تأتي إجابة “أنتوني” لتشكل نقلة نوعية:
· المحبة (500): عندما يقول أنتوني إن معتقده هو “المحبة”، فهو يقفز بوعيه إلى مستوى 500 على مقياس هوكينز. المحبة هنا ليست مجرد عاطفة، بل هي حالة وعي تتميز بالقبول غير المشروط، والتعاطف، والرؤية الشاملة. هي القدرة على رؤية الإنسان في الآخر بغض النظر عن انتماءاته.
· السلام (600): اختيار السلام كمعتقد يعني الانتقال إلى مستوى 600، حيث تختفي الرغبة في الصراع، ويصبح الهدف هو الوئام الشامل. السلام هنا ليس مجرد غياب للحرب، بل هو حالة وجودية من الانسجام الداخلي والخارجي.
هوكينز يؤكد أن الطاقة عند مستوى 500 (الحب) تفوق طاقة مستوى 200 (الشجاعة) بمقدار 750,000 مرة. بمعنى آخر، فرد واحد يعيش في مستوى الحب يمكنه موازنة طاقة آلاف الأشخاص الذين يعيشون في مستويات الغضب والخوف.
الطريق إلى الخلاص: من مستويات القسر إلى مستويات القوة
التحول الفردي والجماعي
الخروج من الأزمة اليمنية يتطلب تحولاً جذرياً في مستوى الوعي الجمعي:
1. الشجاعة (200): بداية الخروج من دائرة الضحية. تحتاج اليمن لقيادة شجاعة تتحمل المسؤولية وتتخذ قرارات صعبة لصالح الشعب، ومواطنين شجعان يرفضون أن يكونوا أدوات في صراعات النخب.
2. الحيادية (250): التحرر من الرؤية الثنائية (أسود/أبيض، خير/شر، سني/شيعي). رؤية الاحتمالات المتعددة والتعقيدات الحقيقية للوضع.
3. القبول (350): تقبل الواقع كما هو كأساس للتغيير، لا كاستسلام له. القبول بأن الآخر له حق الوجود والاختلاف.
إصلاح المؤسسات وإعادة البناء
1. استعادة سيادة القانون: إعادة بناء القضاء المستقل، وإلغاء التعيينات السياسية، وضمان استقلالية المحاماة.
2. إنهاء نهب الثروات: وضع آليات شفافة لإدارة الإيرادات السيادية، وصرف الرواتب بشكل منتظم وكامل، ومحاسبة الفاسدين.
3. إعادة توجيه الأولويات: التركيز على هموم المواطن الداخلية بدلاً من المغامرات الخارجية. إعادة بناء الخدمات الأساسية: الصحة، التعليم، الكهرباء، المياه.
4. البدء في عملية مصالحة وطنية شاملة تعترف بجميع الضحايا، وتعمل على تحقيق العدالة الانتقالية.
دور المجتمع الدولي
1. دعم مبادرات السلام المحلية: بدلاً من فرض حلول جاهزة.
2. الضغط لوقف تدفق الأسلحة: التي تغذي الصراع وتثبت الوعي عند مستويات الغضب والكراهية.
3. تحويل المساعدات من الإغاثة إلى التنمية: لاستعادة الكرامة الإنسانية وبناء القدرات المحلية.
خاتمة: نحو يمن جديد بوعي جديد
رسالة “أنتوني” البسيطة – “معتقداتي هي السلام والمحبة” – تضعنا أمام تحدّي تاريخي: هل سنستمر في الغرق في مستويات الوعي المتدنية (الخوف، الغضب، الكبرياء) التي لا تنتج إلا دماراً وتمزقاً؟ أم سنملك الشجاعة للارتقاء إلى مستويات أعلى (القبول، المحبة، السلام) التي تبني وتعمر؟
اليمن الذي نريده ليس يمن السلطة والثروة لقلّة، بل هو يمن الكرامة والعدالة للجميع. ليس يمن الخطابات الطائفية والمناطقية، بل هو يمن المواطنة المتساوية. ليس يمن الحرب والدمار، بل هو يمن السلام والتعمير.
“السلام والمحبة” ليسا مجرد كلمات جميلة، بل هما خريطة طريق للخلاص. السلام الذي يبدأ من الداخل لينتشر في المجتمع، والمحبة التي ترى في الإنسان اليمني – بكل تنوعه – قيمة مطلقة فوق كل الاعتبارات.
إن تاريخ اليمن العريق وحضارته الزاخرة يؤهله لأن يكون نموذجاً للتحول من ثقافة الصراع إلى ثقافة السلام. لكن هذا التحول يحتاج إلى شجاعة، وإلى قيادة حكيمة، وإلى مواطنين يرفضون أن يكونوا وقوداً لحروب الآخرين.
في النهاية، كما يقول هوكينز، “الحب ليس عاطفة ضعيفة، بل هو أقوى قوة في الكون”. ربما يكون هذا هو الدرس الأهم لليمن: أن الحب والسلام ليسا ترفاً فكرياً، بل هما ضرورة وجودية للبقاء والازدهار.
اليمن يستحق أن يعيش، والشعب اليمني يستحق أن يحيا بكرامة. وهذا لن يتحقق إلا بالعودة إلى القيم الإنسانية الأساسية: السلام والمحبة.