المرأة وصوت الحضور: رسالة تحليلية إلى المرأة في مواجهة البنية الذكورية

يمنات
ربا رباعي- الاردن
إلى المرأة التي ظلّ صوتها طويلًا محاطًا بجدران الصمت الرمزي، وإلى تلك التي لم تتوقف رغم ذلك عن محاولة إعادة تعريف حضورها في العالم؛ تأتي هذه الرسالة بوصفها محاولةً فكرية لا لمخاطبة المرأة فحسب، بل لمساءلة البنية الثقافية التي أحاطت بها عبر التاريخ. فالمرأة ليست مجرد عنصر في البناء الاجتماعي، بل هي أحد مرتكزاته العميقة التي تتقاطع عندها أسئلة الهوية والسلطة والمعرفة. غير أن التاريخ الاجتماعي للمجتمعات الإنسانية، ولا سيما في أنماطها التقليدية، قد صاغ حضور المرأة ضمن منظومةٍ رمزية يهيمن عليها الخطاب الذكوري، الأمر الذي جعل صوتها يُقرأ غالبًا بوصفه هامشًا للخطاب السائد لا بوصفه خطابًا مستقلًا قادرًا على إنتاج المعنى.
إن المجتمع الذكوري، بوصفه بنية ثقافية متجذّرة، لم يكتف بتوزيع الأدوار الاجتماعية بطريقة غير متكافئة، بل عمل أيضًا على إعادة إنتاج هذا التفاوت عبر اللغة والتعليم والتقاليد والخطاب المعرفي. ومن هنا لا يمكن فهم قضية المرأة بمعزل عن تحليل هذه البنية الرمزية التي رسّخت الهيمنة الذكورية بوصفها أمرًا طبيعيًا. وقد وردت بهذا المعنى في بعض الكتب الفلسفيه حين وردت عباره شهيرة: «لا تولد المرأة امرأة، بل تصبح كذلك»، وهي عبارة تشير إلى أن الأنوثة ليست قدرًا بيولوجيًا بقدر ما هي بناء اجتماعي وثقافي يتشكل عبر أنماط التنشئة والخطاب السائد.
إن هذه المقولة تفتح الباب أمام قراءة تحليلية أعمق لموقع المرأة داخل المجتمع؛ إذ إن تحويلها إلى “الآخر” في مقابل الرجل لم يكن مجرد تصنيف لغوي، بل كان آلية رمزية لإعادة توزيع السلطة داخل المجتمع.
وفي هذا السياق يشير الفيلسوف Michel Foucault في كتابه L’Ordre du discours إلى أن الخطاب ليس مجرد كلمات أو أفكار، بل هو شبكة معقدة من العلاقات التي تنتج السلطة وتعيد تنظيمها. وبناءً على ذلك، فإن إقصاء المرأة من إنتاج الخطاب الثقافي والمعرفي لم يكن أمرًا عرضيًا، بل كان جزءًا من منظومةٍ أوسع لإدارة السلطة داخل المجتمع.
غير أن حضور المرأة في المجال العام خلال العصر الحديث قد بدأ يكشف عن تحولات عميقة في هذه البنية. فالمرأة حين تدخل فضاء الفكر والكتابة والعمل العام لا تضيف مجرد صوتٍ جديد إلى المشهد الاجتماعي، بل تعيد تشكيل قواعد الخطاب ذاته. فالمعرفة ليست حيادية كما قد تبدو؛ إنها ترتبط بما يسميه عالم الاجتماع Pierre Bourdieu في كتابه La Domination masculine بـ”العنف الرمزي”، وهو ذلك الشكل الخفي من الهيمنة الذي يمارس عبر الثقافة واللغة بحيث يقبل به الأفراد بوصفه أمرًا طبيعيًا.
ومن هنا فإن قوة حضور المرأة لا تكمن فقط في مشاركتها في الحياة العامة، بل في قدرتها على تفكيك هذا العنف الرمزي الذي رسّخ التراتبية الجندرية عبر القرون. فالكتابة النسوية، على سبيل المثال، ليست مجرد تعبير أدبي، بل هي أيضًا إعادة صياغة لوعي المجتمع بذاته. ولعل تجربة الشاعرة الفلسطينية فدوى طوقان تكشف بوضوح عن هذا التحول؛ فقد رأت في الكتابة وسيلة لتحرير الذات من القيود الاجتماعية قبل أن تكون مجرد فعلٍ إبداعي. ففي سيرتها رحلة جبلية، رحلة صعبة تصف الكتابة بوصفها لحظة اكتشاف للذات وتمرّدٍ هادئ على القيود التي فرضها المجتمع.
غير أن التحليل الأكاديمي لقضية المرأة يقتضي أيضًا تجاوز القراءة الاختزالية التي تحوّل المسألة إلى صراعٍ ثنائي بين الرجل والمرأة. فالقضية في جوهرها ليست صراعًا بين فردين أو جنسَين، بل هي مسألة بنية ثقافية ومعرفية تتغلغل في مؤسسات المجتمع كافة. ولذلك فإن تحرير المرأة لا يتحقق فقط عبر التشريعات أو المشاركة السياسية، بل عبر مراجعةٍ نقدية للخطاب الثقافي الذي يصوغ الأدوار الاجتماعية منذ الطفولة.
وفي هذا السياق يمكن العودة إلى رؤية المفكر الجزائري مالك بن آبي الذي أكد في كتابه شروط النهضة أن نهضة المجتمعات لا تتحقق إلا بتكامل عناصرها الحضارية الثلاثة: الإنسان والتراب والوقت. وإذا كان الإنسان هو العنصر المركزي في هذه المعادلة الحضارية، فإن إقصاء المرأة يعني عمليًا تعطيل نصف القدرة الحضارية للمجتمع. ومن هنا فإن قضية المرأة ليست قضية فئة اجتماعية بعينها، بل هي قضية بنيوية تتعلق بإمكانات المجتمع نفسه في التقدم والتجدد.
إن التاريخ الثقافي العربي يقدم شواهد عديدة على قدرة المرأة على الإسهام في بناء الفكر والأدب متى أتيحت لها الفرصة. ففي التراث العربي القديم نقرأ لدى ابن خلدون في المقدمة إشارات إلى أثر البيئة الاجتماعية في تشكيل الأدوار الإنسانية، وهو ما يفتح المجال لفهم أعمق لكيفية تشكّل الصور النمطية حول المرأة عبر العصور. كما أن أدب الجاهز- في البيان والتبيين يكشف عن إدراك مبكر لأهمية البلاغة والقدرة التعبيرية بوصفهما أدوات للفاعلية الاجتماعية، وهي أدوات لم تكن حكرًا على جنس دون آخر بقدر ما كانت مرتبطة بفرص التعليم والثقافة.
من هنا يمكن القول إن صوت المرأة حين يتحرر من القيود الرمزية لا يضيف بعدًا جديدًا للحياة الاجتماعية فحسب، بل يعيد توازنها الأخلاقي والمعرفي. فالمجتمع الذي يحرم نفسه من صوت المرأة يحرم نفسه في الوقت ذاته من نصف إمكاناته الفكرية والإبداعية. ولذلك فإن الرسالة إلى المرأة ليست دعوةً إلى المواجهة بقدر ما هي دعوة إلى الوعي: وعي بالذات، ووعي بالبنية الثقافية التي تحيط بها، ووعي بالقدرة على تحويل الحضور من مجرد مشاركة شكلية إلى قوة معرفية قادرة على إعادة تشكيل المعنى الاجتماعي.
إن الحضارة التي لا تسمع صوت المرأة بوضوح إنما تعيش بنصف وعي، وتكتب تاريخها بنصف لغة. أما حين يصبح هذا الصوت جزءًا من النسيج الثقافي العام، فإن المجتمع لا يحقق العدالة فحسب، بل يفتح أمام ذاته أفقًا أوسع للفكر والإبداع والإنسانية. وعند تلك اللحظة فقط يتحول حضور المرأة من استثناءٍ اجتماعي إلى ضرورة حضارية، ومن هامشٍ في السرد التاريخي إلى أحد مراكزه الأساسية.