أدب وفنأهم الأخبارالعرض في الرئيسة

قراءة تحليلية لنص أحمد سيف حاشد “مانجو مع القات”

يمنات

نص “مانجو مع القات” هو أحد نصوص مشروع كتاب جديد للكاتب والبرلماني اليمني أحمد سيف حاشد.

القراءة انجزت بتقنية الذكاء الاصطناعي..

ليست كل الحكايات الكبيرة بحاجة إلى وقائع جسيمة؛ أحيانًا، تبدأ الفكرة من رشفة، ومن صدفة عابرة لا تنتبه لها العين، لكنها توقظ السؤال في العقل.

في هذا النص، لا نقرأ عن مانجو ولا عن قات، بل نقرأ عن العادة حين تُمسّ برفق، وعن يقينٍ يتراجع خطوة أمام فضول التجربة، وعن مجتمعٍ كامل يُختبر في مقيل،
تحت سقف الضحك، وبعينٍ تراقب، وبمزاجٍ لا يطلب الإذن.

هذه قراءة لا تبحث عن الطرافة لذاتها، ولا تحتفي بالاختلاف بوصفه استعراضًا، بل تنصت إلى تلك اللحظة التي يتحول فيها العابر إلى معنى، والذائقة إلى موقف، والرشفة إلى سؤال مفتوح.

اقرأ ببطء…
فما سيأتي ليس شرحًا لنص، بل دعوة خفية لإعادة النظر فيما اعتدناه.

قراءة فلسفية اجتماعية أدبية جمالية
في هذا النص، يقتنص الكاتب لحظةً حياتية بسيطة ليحولها إلى مختبرٍ فلسفي يختبر فيه قدرة المجتمع على قبول “الآخر” المختلف، حتى وإن كان هذا الاختلاف في “رشفة عصير”.

في النص، لا يلتقط الكاتب حادثة عابرة، بل يقتنص لحظة يومية شديدة البساطة ليحوّلها إلى مختبر دلالي يختبر فيه المجتمع من الداخل، لا عبر الشعارات، بل عبر الذائقة.

رشفة واحدة تكفي ليُعاد طرح سؤال قديم: هل نرفض المختلف لأنه سيء، أم لأنه فقط غير مألوف؟

بين مرارة القات وعذوبة المانجو، يرسم أحمد سيف حاشد بورتريه المتمرّد الهادئ؛ ذاك الذي لا يعلن خروجه عن النص، بل يمارسه.

لا يرفع صوته، ولا يخاصم العادة، لكنه يضعها موضع اختبار. والمقيل، الذي يفترض أن يكون فضاءً للرتابة، يتحول فجأة إلى مسرح زحزحة، حيث يتراجع اليقين خطوة إلى الخلف أمام فضول التجربة.

العادة بوصفها سلطة
فلسفيًا، النص لا يتأمل المانجو ولا القات في حد ذاتهما، بل يتأمل العادة بوصفها سلطة صامتة.

المانجو هنا ليست مادة، بل احتمال.
والقات ليس موضوعًا، بل عرفًا متسلطًا.

التجربة لا تُقدَّم كثورة، بل كانتزاع هادئ لحق السؤال.

الكاتب لا ينقض القاعدة، بل يفعل ما هو أخطر: يسألها لماذا هي قاعدة.

وهنا تلعب الصدفة دورها الجمالي والفلسفي معًا؛ فهي القوة التي تكسر وهم التخطيط والعقلانية الصلبة، وتذكّر بأن التحولات الكبرى كثيرًا ما تبدأ بلا نية مسبقة.

المجتمع في مرآة المقيل
اجتماعيًا، النص يرسم مجتمعًا مصغّرًا داخل المقيل.
كل شخصية تمثل موقفًا من الاختلاف: الرافض، الساخر، المتردد، ثم الفضولي الذي يعود ليجرب.

ردود الأفعال أهم من الفعل نفسه؛ فالمانجو ليست المشكلة، بل كسر النسق.

بذكاء ناعم، يلتقط النص آلية المجتمع في التعامل مع الجديد: الاستهجان أولًا، ثم السخرية، ثم التجربة، ثم التقليد.

حتى أكثر الشخصيات صرامة، تتحول تحت وطأة الفضول، في مفارقة تقول الكثير عن هشاشة المواقف حين تُختبر فعليًا.

الأدب بوصفه طرافة جادة
أدبيًا، ينتمي النص إلى السرد التأملي الذي يبدأ بحكاية صغيرة وينتهي بفكرة واسعة.

بنيته محكمة: مدخل هادئ، واقعة طريفة، تصاعد مفارقة، أثر اجتماعي، ثم تأمل ختامي لا يغلق المعنى بل يفتحه.

اللغة غير متكلفة، مشبعة بإيقاع شفوي أنيق، تمزج الفصحى بروح المقيل دون ابتذال.

الحوار ليس زينة، بل أداة كشف: يخفف الثقل الفكري، ويمنح النص صدقيته الإنسانية.
والبلاغة هنا ليست بلاغة لفظ، بل بلاغة موقف.

الجمال في اجتماع الأضداد
جماليًا، النص جميل لأنه لا يتباهى بجماله.
دهشته ذهنية لا بصرية، وطرافته وسيلة لا غاية.
إيقاعه يشبه المقيل نفسه:
ضحك، صمت، ثم تفكير.

الجمال يتجلى في اجتماع الأضداد:
المرارة والعسل، الغرابة والألفة، الجد والهزل.
كما يختلط المانجو بالقات، تختلط الدلالة بالحياة.

السياسة حين تنزل عن المنصة

حتى السياسة، لا تغيب. لكنها تظهر في أبسط صورها.

جملة «نحن على مذهب قائدنا» تختزل مفهوم الزعامة في لحظة ساخرة، تُسقط السلطة من عليائها إلى علبة عصير.

هنا، يصبح الاختيار الشخصي فعلًا سياسيًا ناعمًا:

من يملك شجاعة تغيير مذاق شرابه، قد يمتلك يومًا شجاعة تغيير واقعه.

الكاتب في مرآة نصه
الكاتب ليس مجرد مشارك في المقيل، بل باحث عن المعنى في الصدف اليومية، مغرم باكتشاف “الممكن في وجه المستحيل”.

نراه شجاعاً في خوض التجارب الجديدة، وصبوراً في مواجهة سخرية المحيط، وفيلسوفاً يرى في كوب المانجو بالحليب عالماً من الدلالات. الكاتب يحمل عين الفنان وقلب المغامر وعقل المفكر.

الكاتب هنا ليس مجرد ناقد سياسي أو حقوقي، بل هو إنسان يعيد اكتشاف طعم الحياة في علبة عصير ضلت طريقها، مما يعكس مرونة نفسية تجعل من “الصدفة” قدراً جميلاً، ومن “المرارة” جسراً نحو العسل.

الخلاصة

هذا نص:
• فلسفي لأنه يسائل العادة
• اجتماعي لأنه يكشف آليات القبول والرفض
• أدبي لأنه يحوّل التجربة إلى سرد
• جمالي لأنه يهمس بدل أن يصرخ

لقد حوّل أحمد سيف حاشد علبة «راوخ» من مجرد مشروب إلى أداة هدم وبناء:
هدم لكسل اليقين، وبناء لمملكة الفضول.

النص لا يقول لنا: اشربوا المانجو مع القات.
بل يهمس:
جرّبوا السؤال… قبل أن تعتادوا الإجابة.

نص “مانجو وقات في مقيل القضاة” 

أحمد سيف حاشد

توالت قائمةُ إقلاعي عمّا اعتدته، بدافعٍ من حرصٍ على الصحة أو كدرٍ في المزاج؛ إلى أن مدّت يدُ المصادفة، على غير انتظار، فاكتشفتُ ما لم يخطر على بال: مشروب المانجو بالحليب «راوخ». وكانت محطةً عابرةً ضمن محطاتٍ أخرى، ولم تكن الأخيرة، بما فيها اجتماعُ المرارة بالعسل، في لقاءٍ لا يشبه سواه، وقبلةٍ لم تكتمل.

اتجهنا إلى المقيل في مجلس الأستاذ القدير المحامي أحمد علي الوادعي. كان بمعيتي القاضي عبدالوهاب قطران، ونجيب الحاج، والقاضي الخُبّي، ونبيل الحسام. توقفنا عند بقالة قريبة، وطلبنا من مروان الحاج شراء ماءٍ للجميع، مستثنيًا نفسي بعلبتين «راوخ عنب»، وسط ازدحام الزبائن في المكان وعجلة اللحاق بموعد المقيل. عاد مروان بما اشترى، ولم ننتبه، في غمرة المقيل، إلى أن «راوخ» الذي طلبناه لم يكن عنبًا.

بدأتُ بتناول أعشاب القات، وفتحتُ علبة «راوخ» ورشفتُ منها دون أن يكون ذهني حاضرًا مع ما أشربه في المقيل. كنتُ مندمجًا بطراوة الحديث والفرفشة، وكل ما يطرق بابه زهو المقيل؛ كان الحديث متدفقًا وشيقًا، فغلبت عذوبة الكلام على كل ما عداه، وجعلت كل شيء ألذّ وأطيب، دون أن أدرك أنني أشرب غير ما طلبت.

لم ينتبه أحد إلى الأمر غير القاضي قطران، الذي لاحظ انسجامي بعد فسحة، فأخذ العلبة الثانية ورشف منها، ثم قال فجأة، وهو يقرأ ما كُتب عليها بخطٍّ عريض:
– أيش هذا يا خبرة؟! مانجو مع القات!

انفجر الجمع ضحكًا، فيما كان مروان يحاول أن يجد عذرا بين ضحكاتنا، ويلقي باللوم علينا وعلى غيره، دون إعفاء نفسه، بقوله:
– الولد ابن البايع الذي يساعد والده غبي، ما فهم. وزاد وضع المانجو في الكيس تحت الماء، وأنتم تستعجلوني: يالله يالله بسرعة، وأنا ما عاد استظيت.

الحقيقة أن ما حدث كان خديعة ممتعة زادت من طراوة الحديث وبهجة المقيل.

وضع قطران العلبة على طاولة صغيرة أمامنا بعد رشفة واحدة، وقال:
– لم تعجبني. ما يناسبك لا يناسبني؛ إن طبائعنا في هكذا أمور متصادمة.

أمّا أنا، فقد راقت لي راوخ المانجو مع القات، وقلت في نفسي: طعمها مناسب، سأشربها بعد أن أكمل العبوة الأولى.

غير أن ما حدث بعدها كان أشدّ دهشة؛ فبينما كنتُ مستمتعًا بالقات مع المانجو والحديث شيق وجاذب، كان قطران، في وقت وجيز، قد أفرغ «راوخ» الثانية من محتواها إلى معدته.

شاهدتُ العلبة فارغة في السلة التي أمامه، فقلتُ له بدهشة:
– شربتها؟!
قال، وهو يبتسم:
– شفتك منسجمًا ومستمتعًا، فقلت أجرب.

وقهقه الجميع.

لقد انتصر فضول التجربة على صبر العادة الراسخة.

وما زال في الأمر طرفة:

في أحد الأيام، وبينما كنتُ أنا ونبيل الحسام مع ابن عمّي عبده فريد في سيارته، وقد اتفقنا على التخزين والمقيل معًا، نزل عبده إلى الدكان وقال:
– أيش تشتوا أجيب لكم مع القات؟

طلب أحدنا حليبًا، وطلب الآخر مانجو.

لم يتمالك صاحبنا أعصابه، فأدار السيارة وعاد بنا إلى البيت فورًا، ثم قال:
– انزلوا من سيارتي… أنا تغديت، وبروّح أرقد أحسن.

الحقيقة لم تكن مزحة، فقد تركنا وغادر إلى منزلة.

***

واصلتُ اعتماد شرب المانجو بالحليب مع القات، وسط دهشة البعض وامتعاض آخرين. أحيانًا أفعلها في مقايل الغرباء بدم بارد وأعصاب هادئة، فألمح في وجوههم خليطًا من الأسئلة. بعضهم يطلقها بدهشة “قات ومانجو” والبعض يكظم ضحكته أو يحولها إلى ابتسامة خفيفة.

بدأتُ أمام البعض أشبه بمن يجمع بين عسرين: قات لا أجيد تعاطيه كما يجب، ومانجو مع القات تكتنفه فجاجة الغرابة.

حاولتُ إغراء البعض بتجربتها، حيث أصفها برواق المزاج ونعومة الكيف الذي يبدأ من الرشفة الأولى، واستدرجهم حتى يبلغون بالعبوة آخر قطرة فيها.

ثم بدأتُ أرى من يجرّبها من باب الفضول، ومن يعود إليها عن قناعة. بل وجدتُ في احدى المرات القاضي عبدالوهاب قطران، والقاضي أحمد الخُبّي، يحتسيان المانجو الطازج مع القات دون حرج.

وحين قفشتُهما على حين غفلة، ضحك القاضي الخُبّي وقال مازحًا:
– نحن على مذهب «قائدنا».

لقد جاءت تجربة المانجو مع القات في سياق تجاربي المتعددة، غير أن هذه التجربة أضافت الصدفة إلى المقام. وما زاد حماسي في الاستمرار بها لبعض الوقت هو البحث عن الممكن في وجه المستحيل، وإطلاق الحق المصادم للعادة؛ سعياً لزحزحة ما استقر في الوعي، وما يعتبره المجتمع ثابتاً وراسخاً لا يقبل التغيير.

زر الذهاب إلى الأعلى