اليمن وحرب الستين عامًا : دراسة هامة للباحث والدبلوماسي الأمريكي جيرالد فايرستاين

يمنات
حميد عقبي
تُعد دراسة «اليمن: حرب الستين عامًا» للباحث والدبلوماسي الأمريكي جيرالد فايرستاين واحدة من الدراسات التحليلية الحديثة المهمة التي حاولت قراءة الحرب اليمنية بكونها أزمة تاريخية عميقة تتجاوز الأحداث العسكرية اليومية والانقسامات السياسية المؤقتة. وقد نُشرت الدراسة عام 2019 عن معهد الشرق الأوسط في واشنطن وهو مركز أبحاث أمريكي متخصص في قضايا الشرق الأوسط. وتكتسب الدراسة أهميتها من كون كاتبها كان دبلوماسيًا أمريكيًا سابقًا وشغل منصب سفير الولايات المتحدة في اليمن، فقد عمل لسنوات طويلة في ملفات الخليج واليمن، وهذا يمنح تحليله طابعًا يجمع بين الخبرة السياسية والمعرفة الميدانية.
المشكلة اليمنية ليست أزمة أشخاص بل أزمة بنية دولة
ينطلق فايرستاين من فكرة أساسية شديدة الأهمية: الحرب الحالية في اليمن ليست مجرد صراع بين الحوثيين والحكومة الشرعية، وليست أيضًا مجرد حرب بالوكالة بين السعودية وإيران، بل هي نتيجة تراكم طويل لفشل بناء الدولة اليمنية منذ ستينيات القرن العشرين. ولهذا يصف الكاتب اليمن بأنه يعيش منذ أكثر من ستة عقود داخل دورة متكررة من الحروب والانقلابات والاغتيالات والانقسامات، بسبب عجز النخب السياسية عن تأسيس دولة عادلة وقادرة على استيعاب التنوع الاجتماعي والمناطقي والمذهبي.
ترفض الدراسة الروايات التبسيطية التي تحاول اختزال الأزمة في طرف واحد أو حدث واحد. ففايرستاين لا يحمّل الحوثيين وحدهم مسؤولية الانهيار، كما لا يبرّئ نظام علي عبد الله صالح أو القوى التقليدية أو حتى المعارضة اليمنية. هو يرى أن أغلب القوى السياسية اليمنية فاسدة وتورطت بدرجات مختلفة، أعادت إنتاج النظام الريعي القائم على المحسوبية والهيمنة المناطقية واستخدام الدولة كمصدر للغنيمةوليس كمؤسسة وطنية.
ويعود الكاتب إلى ثورة 1962 ضد الإمامة الزيدية في شمال اليمن، معتبرًا أنها لم تؤسس جمهورية حديثة بقدر ما نقلت النفوذ من طبقة إلى أخرى.
فبدل حكم السادة الزيديين، ظهرت تحالفات جديدة بين مشايخ القبائل والنخب العسكرية والسياسية، خاصة في المرتفعات الشمالية الغربية. ومع الوقت، أصبح النظام الجمهوري نفسه قائمًا على التوازنات القبلية والولاأت الشخصية والاقتصاد الريعي.
كما يشرح فايرستاين أن الوحدة اليمنية عام 1990 لم تُبنَ على أسس مؤسسية قوية، كونها جاءت كاتفاق سياسي هش بين نظامين مختلفين تمامًا.
وبعد حرب 1994، شعر كثير من الجنوبيين بأن الوحدة تحولت إلى شكل من أشكال الهيمنة الشمالية، خاصة مع نهب الأراضي وإقصاء الكوادر الجنوبية من الجيش والإدارة وتركز السلطة والثروة بيد النخب المرتبطة بصنعاء. ومن هنا يفسر الكاتب صعود الحراك الجنوبي لاحقًا، بوصفه نتيجة شعور متراكم بالتهميش ولم يكن مجرد مشروع انفصالي مفاجئ.
وفي الشمال، يفسر فايرستاين ظهور الحوثيين كنتيجة مباشرة لفشل الدولة في تحقيق العدالة والمساواة، وليس مجرد امتداد للمشروع الإيراني كما تروّج بعض السرديات الخليجية والإعلامية.
فهو يوضح أن مناطق صعدة والشمال الزيدي تعرضت لتهميش اقتصادي وسياسي وديني طويل، وأن الحركة الحوثية نشأت أولًا من هذا السياق المحلي قبل أن تتوسع علاقتها بإيران لاحقًا.
ومن النقاط المهمة في الدراسة أن الكاتب يرفض التفسير الطائفي المبسط للحرب اليمنية. فهو يرى أن الانقسامات اليمنية أعقد من مجرد سنة وشيعة، وأن جذور الأزمة ترتبط بالسلطة والثروة والهوية والمركزية والحرمان الاجتماعي أكثر مما ترتبط بالعقيدة الدينية وحدها.
ويولي فايرستاين أهمية كبيرة لمؤتمر الحوار الوطني الذي عُقد بعد احتجاجات 2011. ويرى أن هذا المؤتمر كان واحد من محاولات وفرص يمنية حديثة لمعالجة الأزمة بصورة شاملة، فلقد ضم قوى سياسية واجتماعية واسعة، بما فيها النساء والشباب والمجتمع المدني. وخرج المؤتمر بنحو 1800 توصية تناولت قضايا الحكم واللامركزية والفيدرالية وإصلاح الجيش والتوزيع العادل للثروة والتنمية.
لكن الكاتب يلفت النظر إلى أن المشكلة لم تكن في غياب الحلول أو ضعف الرؤية السياسية، بل في فشل التنفيذ. فالنخب اليمنية، بحسب تحليله، اعتادت توقيع الاتفاقات ثم العودة سريعًا إلى استخدام القوة العسكرية. ولهذا يكرر الكاتب فكرة محورية في الدراسة: «الفشل اليمني ليس فشل رؤية بل فشل إرادة سياسية».
كما تقدم الدراسة نقدًا مهمًا للأدوار الإقليمية والدولية. ففايرستاين يرى أن السعودية نظرت إلى اليمن غالبًا من زاوية أمن الحدود ومنع ظهور قوة يمنية مستقلة قد تشكل تهديدًا إقليميًا، ولهذا دعمت عبر عقود شبكات نفوذ قبلية وسياسية ساهمت في إضعاف الدولة اليمنية.
كما يشير إلى أن الإمارات دخلت الحرب بأهداف أخذت تتجاوز الرؤية السعودية، خاصة عبر دعم المجلس الانتقالي الجنوبي وبناء تشكيلات عسكرية محلية مرتبطة بها.
أما إيران، فرغم اعتراف الكاتب بتوسع دعمها للحوثيين بعد 2014، فإنه يؤكد أن الحوثيين لم يكونوا صناعة إيرانية خالصة، وأن جذور حركتهم يمنية بالأساس. وهو بذلك يفكك الرواية التي تقدم الحرب باعتبارها مجرد مواجهة مباشرة بين الرياض وطهران.
كما وجه فايرستاين نقدًا واضحًا للولايات المتحدة، التي تعاملت طويلًا مع اليمن من منظور مكافحة الإرهاب فقط، خصوصًا بعد صعود تنظيم القاعدة في جزيرة العرب. ويرى أن التركيز الأمريكي على الملف الأمني أهمل جذور الأزمة السياسية والاجتماعية والاقتصادية، ما جعل الانفجار الكبير أمرًا شبه حتمي.
ومن أبرز الجوانب التي تتناولها الدراسة أيضًا مفهوم «اقتصاد الحرب». فالكاتب يوضح أن الحرب نفسها تحولت إلى مصدر دخل ونفوذ لكثير من الأطراف، من خلال التهريب والجبايات والسيطرة على الموانئ والمعابر والموارد. وهذا خلق مصالح واسعة مرتبطة باستمرار الحرب لا بإنهائها.
وفي ختام الدراسة، يقدم فايرستاين مجموعة توصيات يراها ضرورية لإنقاذ اليمن، أبرزها استكمال العملية السياسية، وإعادة بناء مؤسسات الدولة، وتعزيز اللامركزية، وإعادة النظر في الخريطة الفيدرالية، وضمان توزيع عادل للموارد، وتوسيع المشاركة السياسية، وتطوير البنية التحتية، وخلق فرص عمل، وتحسين التعليم والصحة.
كما اوصت الدراسة دول الخليج إلى دعم وحدة اليمن وسيادته، وتقديم مساعدات تنموية حقيقية بدل الاكتفاء بالمقاربات الأمنية والعسكرية. وطالب الكاتب المجتمع الدولي بضرورة الالتزام طويل الأمد بدعم بناء الدولة اليمنية، وليس الاكتفاء بإدارة الأزمات الإنسانية أو التفاوض على هدن مؤقتة.
لسماع قراءة وعرض نقدي لدراسة جيرالد فايرستاين
https://youtu.be/DL-Ln8HCB0A?si=Lyg3Lblo_LjEbxlN
وتكمن أهمية هذه الدراسة في أنها حاولت فهم اليمن كأزمة دولة ومجتمع وليس كصراع أشخاص فقط أو أحزاب. فهي تكشف أن المشكلة اليمنية أعمق بكثير من تغيير رئيس أو هزيمة جماعة مسلحة، وأن أي سلام حقيقي لن يتحقق ما لم يُعاد بناء العقد السياسي والاجتماعي والاقتصادي في البلاد بصورة عادلة وشاملة.
وفي هذا المعنى، تبدو دراسة فايرستاين محاولة لفهم لماذا تتكرر الحروب في اليمن، ولماذا يفشل السلام كل مرة، ولماذا قد تبقى البلاد تدور داخل الحلقة نفسها إذا لم تتغير بنية الدولة ذاتها.