كيف تصنع اللغة المعنى؟.. بلاغة إنتاج الدلالة بين البلاغة والتواصل والتلقي والتأويل.. قراءة تكاملية في شعر محمود درويش

يمنات
ربا رباعي – الأردن
منذ أن بدأ الإنسان يتأمل اللغة، ظل سؤال المعنى في صدارة الأسئلة الفلسفية واللغوية والنقدية. ولم يكن الخلاف يومًا حول وجود المعنى، وإنما حول الكيفية التي يتشكل بها؛ أهو كامن في الألفاظ ذاتها، أم في قصد المتكلم، أم في بنية النص، أم في وعي القارئ؟ ومع تطور الدرس اللساني والنقدي، لم يعد المعنى يُنظر إليه بوصفه حقيقة جاهزة تستقر داخل النص، بل أصبح يُفهم بوصفه حدثًا معرفيًا يتولد من شبكة معقدة من العلاقات التي تجمع اللغة والسياق والمتكلم والمتلقي والثقافة والتاريخ.
لقد انتقلت الدراسات الحديثة من سؤال: «ماذا يعني النص؟» إلى سؤال أكثر عمقًا وتأثيرًا: «كيف تصنع اللغة المعنى؟». وهذا التحول لم يكن مجرد انتقال في زاوية النظر، بل كان تحولًا في طبيعة التفكير النقدي نفسه؛ إذ لم يعد النص وعاءً يحمل دلالة ثابتة، وإنما أصبح فضاءً تتفاعل فيه البنية اللغوية مع المقام التداولي، وتتداخل فيه الاستراتيجيات البلاغية مع أفق انتظار القارئ، ويتجدد فيه المعنى مع كل قراءة جديدة.
ومن اللافت أن هذا التصور، الذي يبدو حديثًا، يجد جذوره في التراث البلاغي العربي، ولا سيما عند عبد القاهر الجرجاني في نظريته في النظم؛ إذ لم يجعل المعنى وليد المفردة، وإنما ثمرة العلاقات التي تنشأ بين الكلمات داخل السياق. فالكلمة لا تكتسب قيمتها من ذاتها، وإنما من موقعها في البنية ومن طبيعة اتصالها بما حولها. وهذه الفكرة تكاد تلتقي مع كثير من التصورات اللسانية والتداولية الحديثة التي ترى أن الدلالة لا تنفصل عن الاستعمال ولا عن المقام.
ثم جاءت التداولية لتكشف أن المعنى يتجاوز ما يقال إلى ما يُقصد، وأن الخطاب لا يكتمل بمدلوله الظاهر، بل يمتد إلى الاستلزام الحواري، والافتراض المسبق، وأفعال الكلام، والإشارات السياقية التي تجعل اللغة فعلًا اجتماعيًا قبل أن تكون نظامًا لغويًا. وفي الوقت نفسه، منحت الهرمنيوطيقا ونظرية التلقي القارئ مكانة مركزية، فلم يعد متلقيًا سلبيًا، بل شريكًا في إعادة إنتاج الدلالة، بحيث يغدو النص مشروعًا مفتوحًا لا يكتمل إلا في فعل القراءة.
ومن هنا تنشأ الحاجة إلى تجاوز المقاربات الأحادية التي تفصل البلاغة عن التداولية، أو تعزل التأويل عن التلقي، أو تجعل النص منغلقًا على بنيته الداخلية. فاللغة لا تنتج المعنى عبر مستوى واحد، وإنما من خلال تفاعل أربعة أنظمة كبرى: البنية البلاغية، والفعل التواصلي، وأفق التلقي، والاستراتيجية التأويلية. وعندما تعمل هذه الأنظمة مجتمعة، تتحول اللغة من أداة لنقل الأفكار إلى قوة معرفية قادرة على إنتاج العالم نفسه.
ولعل شعر محمود درويش يقدم أحد أكثر النماذج اكتمالًا لهذا التصور؛ إذ لا يمنح قارئه معنى جاهزًا، وإنما يدعوه إلى المشاركة في صنعه. ففي «في حضرة الغياب» لا يكون الغياب نقيضًا للحضور، بل يتحول إلى حضور لغوي كثيف، تصبح فيه الكتابة مقاومة للفناء، ويغدو الحوار مع الغائب حوارًا مع الذات والذاكرة والزمن. إن الضمائر، والاستعارات، والانزياحات، والإيقاع الداخلي، لا تعمل هنا بوصفها أدوات تجميلية، وإنما بوصفها آليات لإنتاج تجربة شعورية وفكرية تجعل القارئ يعيش الغياب أكثر مما يقرأ عنه.
أما في «أثر الفراشة»، فإن الاقتصاد اللغوي يبلغ ذروته في صناعة الدلالة. يقول درويش: «أثرُ الفراشةِ لا يُرى… أثرُ الفراشةِ لا يزول». وفي هذا التركيب الموجز يلتقي النفي بالإثبات ليولد مفارقة دلالية لا تنتهي عند معنى واحد. فالفراشة قد تكون القصيدة، أو الذاكرة، أو الحب، أو الإنسان، أو الجمال، أو الأثر الثقافي الذي يظل حيًا رغم غياب صاحبه. وهكذا لا تمنح القصيدة تفسيرًا، بل تفتح أفقًا من الاحتمالات، فيصبح كل قارئ مشاركًا في بناء المعنى بحسب خبرته الثقافية وأفق انتظاره.
وتكشف قراءة هذين النصين أن شعر محمود درويش لا يكتب العالم كما هو، وإنما يعيد تشكيله لغويًا. فالكلمة لا تشير إلى الواقع فحسب، بل تصنع واقعًا جديدًا، والبلاغة لا تزخرف الدلالة، بل تنتجها، والتداولية لا تشرح المقاصد فحسب، بل تكشف الطبقات الخفية للخطاب، والتلقي لا يستهلك النص، بل يواصل كتابته، بينما يجعل التأويل المعنى مشروعًا مفتوحًا لا ينتهي بانتهاء القراءة الأولى.
ومن هنا يمكن الانتقال من مفهوم «بلاغة النص» إلى مفهوم أكثر شمولًا هو «بلاغة إنتاج الدلالة». فموضوع الدراسة لا ينبغي أن يكون الوسائل البلاغية بوصفها ظواهر أسلوبية معزولة، وإنما بوصفها عناصر داخل منظومة ديناميكية تتفاعل مع السياق، والقارئ، والثقافة، والتاريخ، لإنتاج المعنى. فالاستعارة ليست صورة جميلة، وإنما استراتيجية معرفية، والانزياح ليس خروجًا عن المألوف، بل إعادة بناء للرؤية، والحذف ليس نقصًا في التعبير، بل دعوة إلى مشاركة القارئ في ملء الفراغات الدلالية.
وعلى هذا الأساس يمكن اقتراح نموذج نقدي يقوم على أربعة محاور مترابطة: البنية البلاغية بوصفها منتجًا لإمكانات المعنى، والفعل التداولي بوصفه كاشفًا للمقاصد الضمنية، والتلقي بوصفه فضاءً لإعادة بناء الدلالة، والتأويل بوصفه أفقًا مفتوحًا لا يتوقف عند قراءة واحدة. وهذا النموذج لا يسعى إلى استبدال المناهج السابقة، بل إلى جمعها داخل رؤية تكاملية تجعل كل مستوى يفسر الآخر.
إن القيمة الحقيقية لهذا التصور لا تكمن في إعادة قراءة شعر محمود درويش فحسب، بل في إمكان تعميمه على الشعر العربي الحديث، بل وعلى الخطاب الأدبي كله؛ لأنه يفسر الكيفية التي تتحول بها اللغة من وسيلة للتعبير إلى قوة خالقة للمعنى، ومن نص مغلق إلى أفق تأويلي لا ينفد.
وهكذا يصبح السؤال النقدي الأكثر أهمية ليس: ما معنى القصيدة؟ وإنما: كيف تظل القصيدة قادرة على إنتاج معانٍ جديدة مع كل قراءة؟. فالمعنى لا يقيم في النص وحده، ولا في المؤلف وحده، ولا في القارئ وحده، بل يتولد باستمرار من الحوار الخلاق بين اللغة والإنسان والتاريخ والثقافة.
ومن هنا يمكن أن تشكل «بلاغة إنتاج الدلالة» إطارًا نقديًا جديدًا يعيد وصل البلاغة العربية باللسانيات الحديثة، ويمنح النقد العربي أفقًا نظريًا أكثر قدرة على تفسير دينامية المعنى في النصوص الأدبية، ويؤسس لرؤية ترى أن اللغة ليست مرآة للعالم، بل إحدى القوى التي تعيد خلقه في كل فعل من أفعال القراءة.