الأغنية اليمنية العبرية كيريا يِفيفيا: حنين الحاخام زكريا الظاهري وصوت تاليا سولان

يمنات
حميد عقبي
توجد أعمال فنية تتجاوز حدود الزمن والمكان، فتتحول من مجرد نصوص أو أغانٍ إلى جسور تربط بين أجيال وثقافات متعددة. ومن بين هذه الأعمال تبرز قصيدة «كيريا يِفيفيا»
(קריה יפהפיה)، أي «المدينة الجميلة»، التي كتبها الشاعر والرحالة اليمني اليهودي الكبير زكريا الظاهري في القرن السادس عشر. وبعد أكثر من أربعة قرون على كتابتها ما تزال هذه القصيدة حية في الذاكرة الموسيقية، تتجدد مع كل جيل وتكتسب العديد من المعاني الجديدة والعصرية دون أن تفقد روحها الأصلية.
وقد وجدت هذه القصيدة حياة جديدة في الأداء الذي قدمته الفنانة تاليا سولان بمشاركة عازفة الإيقاع نوعا فاكس. ففي هذا اللقاء الفني لا نستمع فقط إلى نص تراثي قديم، بل نشهد حوارًا بين الماضي والحاضر، وبين اليمن والقدس والعالم، وبين شاعر عاش في القرن السادس عشر وفنانتين معاصرتين تسعيان إلى إعادة اكتشاف التراث وإيصاله إلى جمهور جديد.
زكريا الظاهري: شاعر اليمن اليهودي ورحالتها الكبير
يحتل الحاخام زكريا الظاهري مكانة استثنائية في تاريخ الأدب العبري اليمني. فلقد كان رحالة ومفكرًا وصاحب ثقافة واسعة مكّنته من بناء مشروع أدبي متكامل.
ولد في اليمن خلال القرن السادس عشر، وعاش في مرحلة كانت تشهد حراكًا ثقافيًا ودينيًا واسعًا. امتلك معرفة عميقة باللغة العبرية وآدابها، كما تأثر بالشعر العبري الأندلسي وبأعمال كبار الشعراء اليهود الذين سبقوه، لكنه لم يكتف بالتأثر، لكنه تمكن من أعاد إنتاج تلك التجارب في قوالب يمنية خاصة.
وتشير العديد من الدراسات الحديثة إلى أنه ترك إرثًا أدبيًا كبيرًا يضم كتابه الشهير «سفر الموسار» إلى جانب مئات القصائد والأناشيد الدينية والشعرية. وقد رأى باحثون متخصصون في الأدب اليمني اليهودي أنه يأتي مباشرة بعد الشاعر الكبير شالوم شبازي من حيث المكانة والتأثير.
وتبرز أهمية الظاهري أيضًا في كونه واحدًا من أوائل الرحالة اليهود اليمنيين الذين دوّنوا مشاهداتهم وتجاربهم خارج اليمن. لقد رأى العالم بعين الشاعر والمثقف، ولذلك جاءت كتاباته غنية بالتفاصيل الإنسانية والثقافية، ومشبعة بروح التأمل والبحث.
القدس في وجدان الظاهري
تُعد «كيريا يِفيفيا» من أجمل النصوص التي تعبر عن الحنين إلى القدس في التراث اليهودي اليمني.
فالقدس في هذه القصيدة هي المدينة المقدسة وهي كذلك صورة مكثفة للانتماء والذاكرة والبحث عن الجذور. يخاطبها الشاعر كما لو كانت كائنًا حيًا، مدينة تحمل روحًا خاصة وتستحق الحب والوفاء.
يفتتح الظاهري قصيدته بقوله:
«يا مدينة جميلة، بهجة المدن،
يا مدينة أمينة لملوكك وأمرائك.»
ومنذ هذه البداية نلاحظ أن المدينة تُقدَّم بكونها مركزًا للجمال والبهاء. إنها ليست مدينة عادية بين المدن، هي المدينة التي تتفوق على غيرها وتمنح كل شيء فيها وحولها معنى.
ثم ينتقل الشاعر إلى التعبير عن شوقه الشخصي:
«لكِ فنيت نفسي شوقًا
إلى السكن في ساحاتك.»
هنا يتحول النص من الوصف إلى الاعتراف العاطفي. فالقدس هي موضوعًا للتأمل وكذلك رغبة عميقة تسكن وجدان الشاعر.
جماليات الحنين
تكمن قوة هذه القصيدة كذلك في قدرتها على تحويل الحنين الجارف إلى صور شعرية بسيطة وعميقة في الوقت نفسه.
ومن أجمل المقاطع:
«من يمنحني أن أطير كالحمام،
فأقبّل حجارتك وأعانق ترابك.»
تبدو الصورة للوهلة الأولى بسيطة، لكنها تحمل أبعادًا متعددة. فالحمامة رمز للسلام والعودة والحرية. والطيران هنا ليس انتقالًا جغرافيًا حالمًا فقط، نحن هنا مع رغبة تحرر من الحدود والعوائق التي تفصل الإنسان عن المكان الذي يحبه.
أما الحجر والتراب فيتحولان إلى كائنين يستحقان التقبيل والاحتفاء. وهذا التعبير يكشف عن درجة عالية من الارتباط بالمكان ومحة قداسة خاصة، حيث تصبح التفاصيل الصغيرة جزءًا من الهوية والذاكرة.
صعب في هذه الخلاصة تحليل النص كاملاً فالنص لم يقتصر على الحنين الفردي، الأكثر جمالاً أنه يحمل أيضًا بعدًا جماعيًا يتمثل في استحضار الشتات والاغتراب. فالشاعر يتحدث باسم جماعة تشعر بالبعد عن مركزها الروحي، وتبحث عن طريق العودة إليه.
قصيدة من التراث اليمني اليهودي
تمثل «كيريا يِفيفيا» نموذجًا مهمًا للشعر الديني اليهودي الذي ازدهر في اليمن. وقد حافظت عليها الأجيال المتعاقبة من خلال الأداء الشفهي والإنشاد الجماعي.
وكانت مثل هذه النصوص جزءًا أساسيًا من الحياة الثقافية ليهود اليمن، حيث كانت القصيدة تتجاوز وظيفتها الدينية لتصبح وعاءً للذاكرة والتاريخ والهوية.
ومع مرور الزمن دخلت القصيدة إلى عالم الموسيقى الحديثة، لتصبح واحدة من أكثر النصوص اليمنية اليهودية حضورًا في التسجيلات والحفلات المعاصرة.
تاليا سولان: الفن بوصفه بحثًا عن الجذور
عندما نستمع إلى أداء تاليا سولان لهذه القصيدة ندرك أننا أمام فنانة لا تتعامل مع التراث باعتباره مادة جاهزة للاستهلاك، هي تتعامل بمحبة وإبداع مع كل نصوتعتبره مشروعًا للبحث والاكتشاف.
عرفت سولان من خلال اهتمامها العميق بالموسيقى التقليدية لليهود الشرقيين، ولا سيما التراث اليمني والسفاردي. وقد كرست سنوات طويلة لجمع النصوص القديمة ودراسة الألحان التقليدية وإعادة تقديمها في إطار فني معاصر وهي تقود فرقة يمّه واحدة من أنشط الفرق الموسيقية العالمية.
وما يميز تاليا سولان أنها لا تكتفي بإعادة إنتاج الأغاني القديمة كما هي، لكنها في كل مشروع تحاول اكتشاف الطاقة الكامنة فيها وإيصالها إلى جمهور اليوم.
ولعل هذا ما جعلها واحدة من الأصوات المعاصرة البارزة وهتمامها بإحياء التراث اليهودي اليمني تحول إلى شغف حب ساهم في جعل الملاين يبحثون عن الأغاني اليمنية ويستمعون لها بروح محبة .
ونعلم أن فرقة يَمّة هي مشروع نشط وديناميكي يوب المدن الأوروبية وهنا تتجسد براعة وذكاء رؤية تاليا سولان بصورة أوضح من خلال فرقة «يَمّة» التي أسستها وتقودها من نجاح إلى نجاح على مدى سنوات.
تحولت الفرقة إلى مساحة فنية تجمع بين الموسيقى اليمنية والشرقية والسفاردية وموسيقى البحر المتوسط، مع الحفاظ على احترام النصوص التراثية وأصولها الثقافية.
وقد ساهمت الفرقة في تعريف جمهور عالمي واسع بأغانٍ وقصائد ظلت لفترات طويلة حبيسة الأوساط المحلية.
ومن خلال الحفلات والتسجيلات والجولات الدولية نجحت «يَمّة» في تقديم التراث اليمني اليهودي بوصفه جزءًا من التراث الإنساني المشترك، وليس مجرد ذاكرة تخص جماعة بعينها.
نوعا فاكس: الإيقاع الذي يصنع الفضاء السمعي
رغم أن التركيز في هذا المادة ينصب بصورة رئيسية على صوت تاليا سولان، فإن الحديث عن هذا الأداء لا يكتمل دون التوقف عند مساهمة نوعا فاكس.
فنوعا فاكس عازفة مبدعة و مؤمنة بأن الغناء يأتي من الروح لذلك فهي شريكة حقيقية في بناء العالم الموسيقي للأغنية.
تعتمد فاكس على الإيقاعات اليدوية والدفوف والطبول الشرقية، وتتعامل مع الإيقاع باعتباره لغة قائمة بذاتها. وفي أداء «كيريا يِفيفيا» نلاحظ كيف تبتعد عن الإيقاع الصاخب لتبني نسيجًا صوتيًا هادئًا وتأمليًا ينسجم مع طبيعة النص.
وتظهر في بعض المقاطع لمسات طفيفة مستوحاة من الموسيقى الهندية والعالمية، لكنها لا تأتي على حساب الروح اليمنية للأغنية، فهي كالنسيم اللطيف الذي يضيف للأغنية أفقًا إنسانيًا جديدًا.
وبذلك وبعيدًا عن الخلفية الموسيقية تصبح الإيقاعات جزءًا من عملية السرد نفسها.
وإذا حاولنا قراءة في الأداء فإننا سنجدأن أداء تاليا سولان ونوعا فاكس تميز بالاقتصاد الفني والابتعاد عن المبالغة والزخارف التي لا معنى لها.
فالصوت يأتي هادئًا ومحمّلًا بالشجن،نشعر أن الإيقاعات تتحرك بخفة ودقة، لتسمح للكلمات بأن تحتفظ بمكانتها المركزية.
وكأن العمل هنا لم يحاول فرض قراءة حديثة قسرية على النص، لكنه ترك القصيدة تتحدث بلغتها الخاصة، مع تقديمها في قالب معاصر قادر على التواصل مع مستمع اليوم.
إننا أمام تجربة تحترم الماضي دون أن تتحول إلى نسخة جامدة منه، وتستفيد من الحاضر دون أن تقطع صلتها بالجذور.
تكشف هذه الأغنية عن رحلة طويلة بدأت في اليمن قبل قرون بين اليمن والقدس والعالم .
النص كتبه شاعر يمني يهودي عاش تجربة السفر والاغتراب والبحث، وحملها أبناء جيله والأجيال اللاحقة في ذاكرتهم. ثم انتقلت مع المهاجرين إلى إسرائيل، وجاء الزمن لتجد طريقها إلى المسارح العالمية عبر فنانات مثل تاليا سولان ونوعا فاكس.
وهكذا فإن «كيريا يِفيفيا» أحد الأمثلة الحية على أن الفن قادر على عبور الحدود السياسية والجغرافية والزمنية.
رابط لسماع مداخلة نقدية عن الأغنية
https://youtu.be/uQzzaGIW5MA?si=Oh_4AOuguHaCKi0b
خاتمة
ربما تكمن أهمية «كيريا يِفيفيا» في أنها تجمع بين ثلاثة مستويات من الإبداع. المستوى الأول هو النص الشعري الذي أبدعه الحاخام المبدع زكريا الظاهري، أحد أعظم أدباء يهود اليمن. والمستوى الثاني هو التراث الموسيقي اليمني اليهودي الذي حافظ على القصيدة عبر القرون. أما المستوى الثالث فهو القراءة المعاصرة التي تقدمها تاليا سولان ونوعا فاكس.
وفي هذا اللقاء بين الشاعر والفنانتين يتحول الحنين والذاكرة إلى موسيقى وصوت، ويصبح التراث فعلًا حيًا ومتجددًا. لذلك يمكن أن نصف «كيريا يِفيفيا» بأنها عمل مفعم بالإنسانية وينفتح على المستقبل، كما أنه يواصل رحلته بين القلوب كما واصل رحلته بين الأزمنة.