تَعبت من السفر الطويل مراكبي .. وتعبتُ أنتظر الصباح الذي لم يأتي بعد

يمنات
أ.د/ عبدالله غالب المعمري
تعبتْ من السفر الطويل مراكبي…تعبت من أمواجٍ هوجا لا تهدأ، وعواصف لا تُسامح، بحارٍ تُبدل مزاجها كل يوم. ولا الخرائط تعد ترشدنا ولا المحطات ترسل إشارات نجاة كأن الظروف كلها تتآمر على آمالنا على طموحاتنا التي لم يعد فيها متسعٌ لخيباتٍ مُره أخرى. تعبتْ مراكبي من السباحه لا لأن أشرعتها واهنة، بل لأن أميال الرحلة نحو الدوله الوطنيه الديمقراطية الحديثة طالت أكثر مما يجب، ولأن شاطئ النجاه الذي وُعِدنا به ظلّ يبتعد كلما اقتربنا نحوه
بفعل تخندق قوى الفساد وتصلب قوى الإستبداد. نحن يارفاقي الذين قطعنا بحارًا من الألم ، مسافات من الخطر، وسنوات من الإنتظار المشتعل للحلم، وضحايا لا تُحصى سقطت على الطريق وما زال مركب سفرنا يبحث عن ميناء يشبه قلب طفل عميق كقلب الوطن الحبيب.
تعبتْ مراكبي من أن تكون قوية دائمًا، ومن أن تُظهر صلابةً تختبئ خلفها هشاشة إنسان لم يعد يحتمل أنهيار وطنه الذي يتآكل كل يوم قطعه قطعه.
تعبت من السفر الطويل مراكبي…فكل الموانئ التي وعدتنا بالراحة والمرسى المُستقر كانت سراباً، وكل الأرصفة التي قيل إنها أمان وسلام كانت مجرد بوابات أخرى للغربة والغوصه والشتات ومثلُ المراكب المتعبة…أنا أيضاً تعبت.
تعبت من الطواف حول الألم الكبير حول الجرح النازف ، من لملمة شظايا وطن يتمزق كل يوم ، من إيهام نفسي كل ليلة أن الفجر قريب!!
لكنني رغم كل شيء لا أملك إلا قلبي، وهذا القلب ما زال يقف على قدمين مرتجفتين ويقول: سأصل….وتعبتُ أنتظر الصباح الذي لم يأتِ بعد وكأن الفجر يتدلى أمامي عمداً، يلوح لي من وراء سُحبٍ متجهمة ، ثم يختفي… *نعم أعرف ذلك الفجر المراوغ:*
يأتي حين نيأس، يلمع حين ننكسر، يبزغ حين نظن أننا إنتهينا…الصباح لا يخون، لكنه يختبرنا يسألنا: هل ما زلتم تريدون الحياة الكريمه حقاً؟ هل ما زلتم هناك في خندق الكرامة في جبهه المقاومه تقاومون عجرفه الإستبداد وغول الفساد؟
فيارفاقي نحن لسنا مجرد مسافرين ضلوا بوصله الطريق فالطريق نعرفها جيداً، بل نحن الذين خُلِقوا ، عُجنوا وصُهرو من صفائح الفولاذ ، ومن أحلام لا تموت. قد تنكسر المجاديف في المنتصف، قد تتعب المراكب ، قد يمتد الليل حتى نظنه دهراً لكننا نحن الذين لا يُهزمون حتى لو انكسروا ، ولا يسقطون حتى لو انحنوا ولا ينتهون حتى لو خذلهم الضوء ألف مرة…فليأتِ الصباح متأخر كيفما يشاء…سننتزعه يوماً انتزاعاً، سنُشعل له الطريق من خلجات قلوبنا وسنجعل من جماجمنا وقوداً للمعركه ، ومن وجداننا شراعاً، ومن تعبنا سبباً إضافياً للنضال المستمر.
لأننا ببساطة لا نعرف الهزيمة ونرفض السجود لغير الحق ونؤمن أن النصر صبر ساعه وسيأتي من أقاصي العذاب من أقاصي اليأس وسنكون بين أحضانهُ يومًا هناك حيث اليمن الذي نريد اليمن الذي نحب.