فضاء حر

العدو اللدود الذي كنت قد توهمت أني انتصرت عليه..؟!

يمنات

فخر العزب

أعود لأكتب عن الاكتئاب.. ذلك العدو اللدود الذي كنت قد توهمت أني انتصرت عليه، لكنه عاد بقوة، تماماً كالنار التي تتقد بعد فترة من خمودها تحت الرماد.

​عاد المرض ليداهم حياتي، كما لو أن المصلحة العامة تقتضي بقاء صوتٍ يقول للناس دون خوف أو خجل: “أنا رجل مكتئب”، ليفتح بذلك نافذة أملٍ للمكتئبين الذين يئنون بصمت، مكبلين بين مطرقة المرض الخبيث، وسندان الخوف من وصمة العار المجتمعية التي تلاحق المرضى النفسيين في بلدٍ يعيش مجازاً في زمن الذكاء الاصطناعي، لكنه في الواقع لا يزال غارقاً في أغوار الجهل المفرط في التعامل مع الأمراض النفسية، والتي لا تزال في الوعي الجمعي تحمل مرادفات شاسعة لكل ما له علاقة بالجن والطلاسم والزيران، وفي أحسن الأحوال: البعد عن الله.

​أعود لأكتب، لأثبت أني لا زلت قوياً في مواجهة زمرة من الأعداء، على رأسها الاكتئاب، ومن خلفه نفسي التي سأرغمها على الصمود، وكذلك العوام الذين ينظرون للاكتئاب كوصمة عار، دون أن يدركوا أنه مرضٌ قد يصيب أيَّ إنسان.

​أكتب لأكون ملهماً لكل مريضٍ بأن يمنح نفسه الاهتمام والتقدير اللذين تستحقهما، لأن ذلك هو الخطوة الأولى في مسيرة التشافي الطويلة والمحفوفة بجولات الصراع مع المرض، والنفس، والواقع الصعب، والمجتمع الذي يتقن فن الجلد والتدمير بحق كل إنسان يعيش لحظة ضعفٍ خارجة عن إرادته.

​أكتب لأشير إلى – دون الجزم – أن سيد الخلق ﷺ أصيب بهذا الكم الهائل من الحزن الذي يُعرف حالياً بالاكتئاب، وقد عجز أهل الأرض عن بلسمة قلبه، فواسته السماء بسورتي “الضحى والشرح”، اللتين فاضتا بحنية المواساة بأنك لست وحيداً: “ما ودعك ربك وما قلى”، ثم تشيران إلى جوانب الخير المجهولة في حياة الإنسان مهما استبد به الحزن والبؤس، المأوى بعد اليتم، والهدى بعد الضلال، والغنى بعد الفقر، وشرح الصدر، ورفع الذكر.. كما تضمنت السورتان توجيهات شكر النعم، واللجوء إلى الله بالعبادة.

​وهذه الصفات هي ما يحتاج المكتئب لسماعها ممن حوله، مما يعني أن المكتئب بحاجة إلى من يفتح له صدره مواسياً ومذكراً بالنعم التي يعيشها وإن لم يستشعرها.

زر الذهاب إلى الأعلى
Your request was blocked.