أهم الأخبارالعرض في الرئيسةفضاء حر

غصة نائب.. “شرعيات” تأكل أكبادنا وأقواتنا

يمنات

من كتابي الجديد قيد الإعداد والمراجعة.

السلسلة الثامنة

غصة نائب

(8) 

“شرعيات” تأكل أكبادنا وأقواتنا 

أحمد سيف حاشد

في غرفة الحجز، حيث يصير الفراغ مرآة، استعدتُ مشهداً من فيلم وثائقي قديم: «جرائم المخابرات المركزية الأمريكية» (السي آي إيه)، الذي شاهدته في مرحلة باكرة من مطلع شبابي.

لا تزال تلك المشاهدة عالقة في ذهني رغم مرور زمن تقادم.. تضرب وتداً في قلبي المثقل بالوجع.. تكز في ذاكرتي أسنانها.. تدميها، وتمزق شفافية روح مازالت تقاوم.. تُذكّرني بتفاصيل كثيرة مؤلمة وذات صلة.

وفي الوقت نفسه، تثير في النفس إعجاباً كبيراً، حيث ينسج المعذَّب أسطورته بالحفاظ على كرامته حتى اللحظة الأخيرة من حياته، يرفض أن يمنح الجلاد انتصاره ونشوته.. شجاعة نادرة، ومقاومة فذة أسرتني حتى منتهاها.

كان معارضاً ينتمي، على الأرجح، إلى إحدى دول المغرب العربي. تم تعذيبه بقسوة، وهو مقيد ومثبّت على كرسي، وآلة طويلة حادة في يد الجلاد، يغلّها بحقده، ويغرزها في جسد هذا المعارض الشجاع، فيما هذا الأخير في الدقيقة الأخيرة من حياته، يتلوّى ألماً، ويستجمع ما بقي في جسده من روح وقوة، ويجمع بصاقه في فمه بصبر مكابر، ليقذفه في وجه جلاده كقذيفة مدفعية.. لعنة تاريخ لا تزول، وعار لا ينتهي.

في المقام نفسه، تذكرتُ رواية قرأتها، عنوانها “شرق المتوسط” للروائي القدير عبد الرحمن منيف. يتحدث فيها بطل الرواية، رجب إسماعيل، عن نفسه فيقول: “لم أحمل بندقية، ولم أقتل أحداً، ومع ذلك دُقّ رأسي بالجدران مئات المرات، كما تُدق المسامير في أخشاب السنديان”.

رجب الذي سُجن وعُذّب قرابة خمس سنوات، صفعاً وجلداً وضرباً، وتعليقاً لأيام.. جُرّ من خصيتيه، وعُذّب بالكهرباء، وإطفاء السجائر على أجزاء متفرقة وحساسة من جسده المنهك والمريض.. خرج من سجنه وقد سُرق منه كل شيء.. صحته وأمه وحبيبته وكل أحلامه ومستقبله.

مات البطل، ولكن الحياة لم تمت، ولم تتوقف عند موت رجب.. الحياة مستمرة، وموت الفرد لا يعني موت فكرة الحرية والمقاومة.. الخلاصة وجدتها فيما قاله الطبيب الفرنسي لرجب: «يبدو أن كل شعب يجب أن يدفع ثمن حريته، والحرية أغلب الأحيان غالية الثمن».

في الحجز وأنا أستعيد بصاق ذلك المعارض في وجه جلاده، وصراخ رجب إسماعيل وهو يجُرّ من خصيتيه، أدركتُ أن الوجع ليس حكراً على زمن أو جغرافيا. فالعالم مشبع بالمواجع والألم.

في غرفة الحجز، يتسع الفراغ للذاكرة.. تذكرتُ كثيراً مما سمعته من قصص التعذيب والإخفاء القسري.. قصصاً يشيب لها الطفل الرضيع.. فظائع وجرائم ارتُكبت في حقهم لا تسقط بالتقادم. وإن أدرك الموتُ الجناةَ، فذلك لا يعني نجاتهم؛ إذ تبقى الإدانة، والعار على تلك الأنظمة، لا يمحوها زمن ولا يزيلها موت.

وجدتُ حقيقةَ الفيلم، وما خالط الرواية من واقعٍ وخيال، في اليمن المنكوب بحكامه؛ رأيتُها زحاماً من الفظائع، كشفت عنها شهادات الضحايا الثقيلة على السمع والبصر والذاكرة.

القائمون والمشرفون على تلك الأجهزة سيئة الصيت، والجلادون وأرباب الانتهاكات، والآمرون بها والمتواطئون معها، صار بعضهم اليوم رجال أعمال وأرباب فساد.. تجار حرب ودم، بل رؤساء وقادة وقضاة، بعضهم بفرمانات سلطانية، وبشرعيات أمرٍ واقع تأكل أقواتنا وأكبادنا كل يوم.

وأفدح من ذلك نُخب تطبيل للفخامات والمعالي.. حملة المباخر، وبياعي الكلام والضمائر.. مزوّرو التاريخ ومزيّفو الوعي الذين يستحقون أن نستجمع بصاقنا ولعناتنا من أقصينا، ونقذفها في وجوههم رصاصاً وقذائفَ.

تمرّدوا ما استطعتم على هذا الواقع المجرم، وثوروا عليه؛ أو سيأتي جيلٌ حتماً يقوم بما فشلنا فيه، ويعيد الاعتبار والمعنى للشعب وللتاريخ والمستقبل الذي يريدون الاستيلاء عليه.

***

يتبع الحلقة التاسعة

– من كتابي الجديد قيد الإعداد والمراجعة

زر الذهاب إلى الأعلى
Your request was blocked.