أهم الأخبارفضاء حر

البردوني العِهن المنفوش والفَرَاش المبثوث.. الذكرى السابعة والعشرون

يمنات

سعد الحيمي

أعلى جبال اليمن الشامخة هو جبل النبي البردوني، ومن قال إن أعلى جبل في اليمن هو جبل النبي شعيب، فقد قال ذلك لعجزه عن صعود هذا الطود، الباسقة ذُراه فوق السحب. ولمن يجهل ماهية أشهر ثلاثة جبال في اليمن نقول له: هي جبل شمسان، وجبل نقم، وجبل البردوني.

النهر الوحيد
أما أشهر وأكبر ثلاثة مصادر للمياه النقية في اليمن فهي: سد مأرب، وصهاريج عدن، ونهر البردوني، وهو النهر الوحيد في اليمن.

وإذا كانت اليمامة تعض أصابع الندم على عيني زرقائها، فإن العروبة واليمن خاصة لن تكفكف الدمع على عيني بصيرها ومبصرها ما طال الدهر.

(مــرةٌ أحــزانُـنـا … لــكــنــهــا
يا عذاب الصبر أحزان الرجال
نـدفن الأحباب . . . نأسـى إنما نتحدى … نحتذي وجه المحال)

اليوم نحيي ذكرى رحيله السابعة والعشرين، وكأننا نشوط خارج المدار، أو في مبتدأ الشوط عند ذكرى رحيله الأولى؛ فلا أذن تسمع، ولا قلب يعي، ولا مسؤول يستحي. أنا آسف، أعني: ولا مسؤول يخجل. أكرر أسفي الشديد، فقد ألزمت نفسي ألا أخدش عُذر مسؤولينا، وأتخاطب معهم كما أتخاطب مع العذارى، ولذا كنت أقصد: ولا مسؤول يرق.

(شوطُنا فوقَ احتمالِ الاحتمالْ
فوق صبرِ الصَّبرِ … لكنْ لا انخذالْ)

بين التباكي والبكاء
في واقع الحال، نحن لا نتباكى على البردوني، وإن كان رحيله يستحق أن تُذرف له أنهار الدموع، ومقابل هذا الصلف المتنكر لمكانته وعظمته، يحق للقلوب من الألم أن تتقطع إربًا إربًا.

رغم أن ذلك لن يشفي روحه المجروحة، ولن يرمم جراح معاناته حيًّا، حتى لو نحتنا صورته على جبل نقم، فلم نكرمه في حياته التي كانت أسوأ لحظة فيها هي يوم مولده في هذا اليمن الجاحد.

(كلُّ هذا عمري … وعمرٌ كهذا
لا يساوي … عذابَ يومِ وِلادِي)

لكننا نبكي في حياتنا هذا الزيف والنفاق، هذه الوجوه الخداعة والماكرة، هذا الظلم والبهتان، نبكي مسؤولين لا كرامة في مناصبهم، ولا عزة في نفوسهم، ولا وفاء في أخلاقهم، ولا وطنية في ضمائرهم.

فإن كان هذا هو حال شرف وفخر اليمن والعرب، فكيف سيكون حال سعد الحيمي وجميل مفرح أو محمد القعود و#أروى_عثمان؟

المسؤولية
اليوم تهل علينا الذكرى السابعة والعشرون، ونفس المطالب تتكرر وتتجدد، دون أن تلقى تجاوبًا من الدولة، أو مجرد وعود من الحكومة.

وهنا نحمل المسؤولية -بالدرجة الأولى- كل المتعاقبين على كرسي وزارة الثقافة، وأمناء العاصمة تحديدًا؛ فهم المطلعون والعارفون بمأساة البردوني، وتصلهم النداءات والمناشدات قبل غيرهم وأكثر منهم، وهم المعنيون برفع ملف البردوني إلى رئاسة الدولة ومجلس الوزراء، والدفاع عنه والمطالبة بإنصافه ميتًا بعد أن عزّ تكريمه حيًّا.

مطالبنا أقل من الممكن
إن مطالب المحبين والمخلصين الأوفياء للوطن، متمثلًا في ضمير اليمن عبدالله البردوني، لم تبلغ الحد المعقول، ولا طالبت بكل الممكن، مثل تسمية جامعة أو أكبر مكتبة في العاصمة باسم البردوني، ولا بإنشاء كلية أو معهد متخصص في الأدب، أو بإنشاء أعلى جائزة أدبية في البلاد تحمل اسمه. لم تطالب بنحت تماثيل له ووضعها في أشهر ساحات المدن، ولم تطلب فتح ملفه والتحقيق في الغامض منه، ولا حتى بإعادة طباعة كتبه ودواوينه السابقة.

استثمار البردوني
كل مطالب أولئك المخلصين لليمن وحكيمها البصير -من كل الحكومات- هو استثمار البردوني -ميتًا- كما يجب، بما يعود بالنفع على خزينة وسمعة الوطن المفدى، من خلال ثلاث حركات، أقل ما توصف به أنها (حركات نص كم، وشطارة في زمن البُلداء)، فلن تكلف خزينة الدولة سوى ملاليم مقابل ما ستجنيه من أرباح طائلة ودائمة.

وهي:
1- إعادة بناء بيته في بستان السلطان وتحويله إلى متحف، سيدر عليها أرباحًا أكثر من كل المتاحف الوطنية مجتمعة، ويكسبها سمعة الوفاء لمبدعيها كلهم ولو زيفًا.

2- تخصيص مساحة في إحدى المرتفعات المطلة على العاصمة صنعاء ونقل جثمانه الطاهر إليها، سيجعل من تلك المساحة مزارًا لكل سكان المعمورة، من يمنيين وعرب وعجم، وتستطيع الدولة تأجير ذلك المزار لأحد المستثمرين بسعر خيالي يدفعه سنويًا، وهي داغزة ريش.

3- تسمية شارع المطار، ابتداءً من بوابة المطار وانتهاءً بجولة الساعة في الحصبة، باسم (شارع البردوني)، سيرفع سمعة اليمن إلى عنان السماء، ويخلّد الحكومة أو المسؤول الذي يحقق ذلك إلى الأبد، حتى وإن لم تكن له أو لها من حسنة سوى تلك التسمية.

هل رأيتم ما أدنى هذه المطالب وما أهونها؟ ولا تكلف سوى وجود مسؤول مخلص لليمن، يعرف من أين تؤكل جثة البردوني، الذي لم تحقق حياته أي شيء يثير افتقاده.

(هل تخافينَ أنْ أموت؟ حياتي
لم تحقَّقْ شيئاً يثيرُ افتِقادي)

زر الذهاب إلى الأعلى
Your request was blocked.