انتهاك السيادة وتفكيك الدولة.. قراءة نقدية في انتكاسات الشرعية اليمنية (١)

يمنات
سند ناجي العبسي
▪️ لم تكن أزمة الشرعية اليمنية مجرد خطأ سياسي عابر، بل كانت سلسلة من الانتكاسات البنيوية والطعنات الهيكلية في جسد الدولة وسيادتها، تحولت معها الشرعية من صاحب قضية إلى أداة تُدار بالوكالة. وقد قوضت جملة هذه الانتكاسات مفهوم الدولة الوطنية لصالح مشاريع الارتهان الإقليمي، وهو ما يتضح بجلاء من خلال قراءة موضوعية للمشهد المأزوم، والتي تكشف عن هندسة ممنهجة لإعادة تشكيل الشرعية. ويمكن إبراز بعض معالم هذا الارتهان في النقاط التالية:
أولاً/ التفويض المفتوح والتخلي عن السيادة:
تمثلت الخديعة الأولى في استدعاء التدخل العسكري الخارجي بلا غطاء قانوني محكم، وبلا اتفاقية ثنائية أو إقليمية أو دولية ملزمة تحدد أهدافه وتضبط مساره؛ مما أفرغ السيادة الوطنية من مضمونها، وفتح الباب لانتهاك القرار المستقل والتدخل المباشر في الشأن الداخلي، الأمر الذي شرعن استباحة القرار الوطني واستبدل حماية الشرعية بفرض الوصاية العابرة للحدود عليها.
ثانياً/ التقاسم الجيوسياسي وتوزيع الهيمنة والنفوذ:
تحويل الجغرافيا اليمنية، وخصوصاً الموانئ والمنافذ الحيوية، إلى مناطق نفوذ واستقطاب بين الفاعلين (الممولين الإقليميين) —السعودية والإمارات— مع تجاوز بل تحييد مؤسسات الدولة الرسمية في الإدارة والإشراف، والسيطرة التامة على الملفين العسكري والمالي، حتى وصل الأمر إلى فرض التعيينات والقيادات تباعاً لرغبة الممولين الإقليميين وليس استناداً إلى الكفاءة والاستحقاق.
ثالثاً/ صناعة الكيانات العسكرية الموازية خارج سلطة الدولة:
تجزئة المؤسسة العسكرية والأمنية عبر إنشاء وتغذية تشكيلات مسلحة تعمل خارج مظلة الدولة وتدين بالولاء المباشر للكفيل الإقليمي، مثل:
1_ الأحزمة الأمنية والعسكرية التابعة للانتقالي في عدن وبعض المحافظات الجنوبية الداعمة للانفصال.
2_ قوات طارق صالح في الساحل التعزي والتهامي.
3_ القوات التابعة لحزب الإصلاح في تعز ومأرب بتشكيلاتها وولاءاتها المختلفة.
4_ قوات العمالقة.
5_ قوات درع الوطن.
6_ قوات الحد الحدودي في أقصى الشمال (صعدة وحجة) التابعة لرداد الهاشمي.
رابعاً/ مصادرة السلطة ونقلها من الشعب إلى الممول الإقليمي:
إزاحة مرجعية الشعب والدستور لصالح تسويات مفروضة من الخارج، ونقل السلطة من رئيس شرعي منتخب إلى مجلس قيادي مكوّن من أطراف متناقضة فُرضت بإرادة الممول الإقليمي وبمباركة دولية.
خامساً/فساد سلطة المنفى (حكومة الفنادق):
تكريس سلطة المنفى التي تستمرئ الاستئثار بالمغانم والمناصب بينما تتنصل كلياً من تحمل التبعات والمسؤوليات السياسية والاقتصادية، أو حتى تحمل الكلفة الأخلاقية للانهيار الإنساني في عموم المحافظات التي تقع في نطاقها.
سادساً /تدجين النخب والقوى السياسية وتغييب المعارضة:
إفراغ الحياة السياسية من مضمونها الأخلاقي والنقدي بعد أن تحولت الأحزاب السياسية التاريخية والنخب إلى شريك في التقاسم والمحاصصة والزبائنية، مما أدى إلى تجريف الفضاء العام، وانعدام الأصوات الوطنية الناقدة، وتحول المعارضة والنخب إلى مجرد أدوات تبريرية للممارسات الفاسدة.
سابعاً/ الاستلاب العقلي والتعامي الذاتي عن الكارثة:
الاستسلام الكامل لدور التابع المندهش الذي يتلقى النكسات والصفعات دون مشاركة في صنع القرار، وممارسة الهروب الجماعي إلى الأمام عبر تسويق الأوهام وتغييب الحقائق الواضحة بخطاب تضليلي لتبرير واقع الهوان المفروض.
خلاصة الخلاصة:
▪️ نُدرك تماماً أن تفكيك الحقائق السالفة الذكر لن يروق لمن يقتاتون على جراح هذا الوطن ويستثمرون في انهياره، لكننا نقولها من باب التوثيق التاريخي لواقع مرير ومأزوم تتجاوز تفاصيله الكارثية الحدود، لتضع الجميع أمام مسؤولياتهم التاريخية.
إن ما أسميتموه “شرعية” لم يعد سوى سلطة اغتراب وارتهان تسكن الفنادق في عواصم الخارج، وتسعى لتحقيق مصالحها الشخصية، على حساب دماء الشعب ومقدراته.
يتبع..