لا تقتلوا الأوقاف… بالإيجار المرتفع

يمنات
يحيى محمد القحطاني
حين يصل الأمر بالمستأجر إلى بيع ما يملك ليسدد إيجار أرض وقف ارتفع إيجارها عشرات المرات، فالمشكلة لم تعد مجرد زيادة في الإيجار، بل أصبح السؤال الأكبر: هل نريد زيادة إيرادات الأوقاف، أم زيادة الإيجارات ولو أدت إلى هروب المستأجرين وتعطيل الاستثمار؟
فأراضي الأوقاف ليست مجرد عقارات تُؤجَّر بأعلى إيجار، والمستأجرون ليسوا أرقامًا في دفاتر الإيرادات. فالوقف لا يحقق غايته من أرضٍ بلا مستأجر، ولا من عقارٍ يتعطل الانتفاع به بسبب إيجار يفوق القدرة على تحمّله. وما يبدو زيادةً في الإيرادات على الورق، قد يتحول في الواقع إلى خسارة حين يعجز المستأجر عن الاستمرار.
وعندما تصل الزيادة في بعض الحالات إلى 80 ضعفًا، يصبح من الضروري مراجعة المعادلة كلها؛ فالمعيار ليس أن يكون الإيجار هو الأعلى، وإنما أن يكون عادلًا وقابلًا للاستمرار. فالزيادة العادلة هي التي تنمّي إيرادات الوقف دون أن تتجاوز القيمة الاقتصادية للأرض وقدرة المستأجر على تحمّلها.
ولأنني أحد المستأجرين ومن موظفي الأوقاف، فقد عايشتُ هذه المشكلة بنفسي؛ إذ أمضيتُ أشهرًا في مراجعة مكتب الأوقاف بالسبعين لاستكمال معاملتي وفق التوجيهات، دون جدوى، ما اضطرني إلى التظلم لدى مدير عام مكتب هيئة الأوقاف بأمانة العاصمة، القاضي وليد العلوي، الذي وجّه بتخفيض المبلغ، مراعاةً لخدمتي الطويلة في الأوقاف.
وبفضل ذلك، تمكنتُ من سداد الإيجار حتى نهاية عام 1450هـ، واستكمال معاملتي وتوقيع العقد.
ومن باب الإنصاف، أسجل للقاضي وليد العلوي ما لمسته خلال هذه التجربة؛ فقد وجدته قريبًا من الناس، يستمع للمستأجرين، ويتفهّم ظروفهم، ويسعى إلى معالجة مشكلاتهم بما يستطيع. وهذه شهادة حق في رجلٍ وجدت منه تعاونًا وتجاوبًا يستحقان التقدير، وأتمنى أن يمتد هذا النهج في الاستماع إلى المستأجرين ومعالجة مشكلاتهم، بما يحفظ للوقف حقه وللمستأجر كرامته.
وتتجاوز هذه التجربة حدود المعاملة الشخصية؛ فهي تمس جوهر السياسة الإيجارية نفسها. فما جدوى رفع الإيجار إذا أدى إلى خروج المستأجر وتعطيل المشروع؟ وما جدوى زيادة الإيراد إذا كانت نتيجتها أرضًا بلا استثمار؟
المستأجر والمستثمر ليسا مجرد مصدرٍ لإيرادٍ آني، بل عنصران أساسيان في تنمية مورد الوقف؛ فالمشروع القائم على أرض الوقف يرفد موارده بإيرادات متكررة من الإيجار ورسوم التنازل والمأذونيات، وقد أسهمت هذه الموارد في تمويل مئات المشاريع الاستثمارية والخدمية في مختلف المحافظات، بينما الأرض المعطلة لا تدرّ على الوقف شيئًا.
لذلك، فإن حماية المستأجر القادر على الاستمرار ليست تفريطًا في حق الوقف، كما أن تنمية موارده ليست مبررًا لإرهاقه. المطلوب سياسة إيجارية عادلة ومرنة تراعي موقع الأرض وقيمتها وطبيعة النشاط وقدرة المستأجر، وتحقق للوقف عائدًا عادلًا ومستدامًا.
فالوقف أمانة لا يُدار بمنطق الجباية، بل بمنطق التنمية وحسن الإدارة؛ نحفظ أصوله، وننمي عوائده، ونبقيه عامرًا منتجًا.
فاحفظوا أصل الوقف، واحفظوا للمستأجر كرامته، وللمستثمر فرصته، ولا تجعلوا رفع الإيجارات سببًا في هروبهم إلى الأراضي الحرة؛ فتخسر الأوقاف مستأجريها، وتتراجع قيمة أصولها، وينكمش عائدها.
فلا تقتلوا الأوقاف… بالإيجار المرتفع.
والله من وراء القصد.

