26 سبتمبر.. المبتدأ والخبر في ذاكرة اليمن

يمنات
مبارك حزام العسالي
تأتي الذكرى الرابعة والستون لثورة السادس والعشرين من سبتمبر المجيدة لتضع اليمنيين من جديد أمام المحطات المفصلية في تاريخهم الحديث، مستدعية المعاني السامية التي انطلقت منها بوصفها نقطة تحول فارقة في مسار النضال الوطني نحو الحرية والعدالة والكرامة. قراءة هذا المسار السبتمبري اليوم تتطلب استحضاراً واعياً ومسؤولاً للأهداف الكبرى التي ناضل من أجلها الآباء المؤسسون، وفي مقدمتها بناء دولة المؤسسات والقانون، وتحقيق التنمية المستدامة، وصون استقلالية القرار الوطني. كانت الثورة في جوهرها مشروعاً جامعاً يهدف إلى الخروج من مضايق العزلة والجمود نحو آفاق النهضة، لتبني مستقبلاً واعداً يتسع لجميع أبناء الشعب اليمني دون استثناء أو إقصاء.
تستدعي الذاكرة الوطنية في هذه الذكرى محطات فارقة شكلت إرهاصات الشرارة الأولى من حركة الأحرار والتنظيمات الوطنية المبكرة، مروراً بصباح الستينات الذي كسرت فيه صنعاء أسوار عزلتها وشكلت بداية التحول نحو العصر الحديث. لم تكن تلك اللحظات التاريخية الممتدة من تعز إلى الحديدة وصنعاء وكل نواحي اليمن مجرد تبديل لصفحة سياسية، بل مثلت ميلاداً شاقاً لبناء الجيش الوطني والتأسيس للتعليم العام وإرساء قواعد الإدارة الحكومية المنتظمة وسط تحديات وعواصف إقليمية ودولية عاتية.
شهدت العقود التي تلت الثورة تحولات جوهرية كشفت قدرة الإرادة اليمنية على التكيف والاستمرار، بدءاً من تجاوز عقبات الحصار التاريخي واحتواء التناقضات العميقة عبر الميثاق الوطني وحصار السبعين يوماً، وصولاً إلى بناء نواة الاقتصاد والمؤسسات الخدمية وتوسيع شبكات الطرق والصحة والتعليم. جسدت تلك المرحلة قدرة المجتمع على تحويل أهداف الثورة من شعارات نقدية إلى خطط تنموية ومؤسسية ملموسة، أصلت لمفهوم المواطنة ورسخت قناعة ثابتاً مفادها أن الاستقلال الحقيقي يتحقق بامتلاك القرار الوطني المستقل وتوفير متطلبات الحياة الكريمة لكل أبناء المجتمع.
المتأمل في الواقع الراهن يدرك أن التحديات الجسام التي تواجه البلاد اليوم لا تتطلب مجرد استعادة محطات الماضي، بل استلهاماً حقيقياً للروح التي جمعت اليمنيين حول غايتهم المشتركة. وفي ظل الظروف الاستثنائية والتحولات المتسارعة التي تشهدها المنطقة، تتبدى الحاجة ملحة للتمسك بالثوابت الوطنية الجامعة التي تضمن حماية النسيج الاجتماعي من التمزق، وترسخ قيم التلاحم والإخاء فوق كل اعتبار. فالسيادة الوطنية وحماية الاستقلال لا يتجزآن بحال من الأحوال عن خدمة المواطن، والعمل الدؤوب على التخفيف من معاناته القاسية، وتحسين ظروفه المعيشية والاجتماعية التي أثقلتها السنون الماضية.
تكمن قوة الدولة وهيبتها في قدرة مؤسساتها الخدمية والإدارية على الاستجابة لتطلعات الشعب، وتوفير العيش الكريم والتنمية المستدامة التي تمس حياة الناس اليومية. الوفاء الصادق لروح سبتمبر ومبادئها الخالدة يتجلى في العمل الميداني والإنتاجي الذي يرفع من شأن الاقتصاد الوطني، ويعيد بناء القاعدة الإنتاجية والمؤسسية التي تحمي المجتمع من الهزات والتقلبات. الإيمان الحقيقي بسبتمبر يعني إعطاء الأولوية القصوى للمصلحة الوطنية العليا، وترسيخ مبدأ الشراكة الوطنية الحقيقية، وتعزيز مسارات الحوار والتفاهم كسبيل كفيل للوصول إلى استقرار سياسي ومجتمعي دائم ينهي الصراعات ويتيح طاقات الأمة نحو البناء والنهوض.
يعتبر صون مؤسسات الدولة وتطوير كفاءتها والارتقاء بأدائها الإداري الركيزة الأساسية لحماية المقدرات الوطنية وتأمين المستقبل للأجيال القادمة. ولا يجب أن نغفل أن البناء الفكري والتعليمي والثقافي يقع في قلب المشروع السبتمبري الأصيل؛ فالتعليم والتنمية المعرفية هما السلاح الأقوى لمواجهة التخلف وترسيخ الهوية الوطنية الأصيلة. ستظل ثورة السادس والعشرين من سبتمبر شعلة متجددة في الوجدان الجمعي لكل اليمنيين، تذكرهم بصفحات النضال الناصعة، وتؤكد أن المسار الوطني المتزن والراشد هو الذي يوازن بين صون القرار المستقل والدفاع عن سيادة الوطن، وبين تلبية الحقوق المشروعة والمستحقة للشعب في العيش الكريم والأمان والاستقرار والازدهار.